ابن كثير
131
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
قال : علمه اسم الصحفة والقدر ، قال نعم حتى الفسوة والفسية « 1 » . وقال مجاهد وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها قال : علمه اسم كل دابة وكل طير وكل شيء . كذلك روي عن سعيد بن جبير وقتادة وغيرهم من السلف أنه علمه أسماء كل شيء . وقال الربيع في رواية عنه « 2 » قال : أسماء الملائكة . وقال حميد الشامي : أسماء النجوم . وقال عبد الرحمن بن زيد : علمه أسماء ذريته كلهم . واختار ابن جرير أنه علمه أسماء الملائكة وأسماء الذرية [ دون أسماء سائر أجناس الخلق ] « 3 » لأنه قال ثُمَّ عَرَضَهُمْ . وهذا عبارة عما يعقل « 4 » . وهذا الذي رجح به ليس بلازم ، فإنه لا ينفي أن يدخل معهم غيرهم ، ويعبر عن الجميع بصيغة من يعقل للتغليب كما قال تعالى وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ النور : 45 ] وقد قرأ عبد اللّه بن مسعود : ثم عرضهن ، وقرأ أبي بن كعب : ثم عرضها أي المسميات . والصحيح أنه علمه أسماء الأشياء كلها ذواتها وصفاتها وأفعالها كما قال ابن عباس حتى الفسوة والفسية ، يعني أسماء الذوات والأفعال المكبر والمصغر . ولهذا قال البخاري في تفسير هذه الآية في كتاب التفسير من صحيحه : حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام عن قتادة عن أنس بن مالك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : وقال لي خليفة : حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال « يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فيأتون آدم فيقولون : أنت أبو الناس خلقك اللّه بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا ، فيقول : لست هناكم « 5 » ، ويذكر ذنبه فيستحي . ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه اللّه إلى أهل الأرض فيأتونه فيقول : لست هناكم ، ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحي . فيقول ائتوا خليل الرحمن ، فيأتونه فيقول : لست هناكم ، فيقول : ائتوا موسى عبدا كلمه اللّه وأعطاه التوراة فيقول : لست هناكم ويذكر قتل النفس بغير نفس فيستحي من ربه . فيقول : ائتوا عيسى عبد اللّه ورسوله وكلمة اللّه وروحه فيأتونه فيقول : لست هناكم ائتوا محمدا عبدا غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيأتوني فأنطلق حتى أستأذن على ربي فيأذن لي فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا فيدعني ما شاء اللّه ثم يقال : ارفع رأسك وسل تعطه وقل يسمع واشفع تشفّع ، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ثم أعود إليه فإذا رأيت ربي
--> ( 1 ) أخرج الطبري أربعة أحاديث بنحو هذا عن ابن عباس من طريق عاصم بن كليب . ( الطبري 1 / 252 - 253 ) ( 2 ) الإسناد في الطبري : حدّثت عن عمار ، حدثنا عبد اللّه بن أبي جعفر ، عن أبيه عن الربيع . ( 3 ) الزيادة من الطبري 1 / 253 . ( 4 ) قال الطبري موضحا رأيه ومدعما هذا الاختيار : ولا تكاد العرب تكني بالهاء والميم إلا عن أسماء بين آدم والملائكة . ( 5 ) لست هناكم : لست أهلا لذلك .