ابن كثير
125
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وأرسل فيهم الرسل ويوجد منهم الصديقون والشهداء والصالحون والعباد والزهاد والأولياء والأبرار والمقربون والعلماء والعاملون والخاشعون والمحبون له تبارك وتعالى المتبعون رسله صلوات اللّه وسلامه عليهم . وقد ثبت في الصحيح « 1 » أن الملائكة إذا صعدت إلى الرب تعالى بأعمال عباده يسألهم وهم أعلم : كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون . وذلك لأنهم يتعاقبون فينا ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر ، فيمكث هؤلاء ويصعد أولئك بالأعمال كما قال عليه الصلاة والسلام : « يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل » فقولهم : أتيناهم وهم يصلون وتركناهم هم يصلون من تفسير قوله لهم : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ، وقيل معنى قوله تعالى جوابا لهم : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ إني لي حكمة مفصلة في خلق هؤلاء والحالة ما ذكرتم لا تعلمونها ، قيل إنه جواب وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ فقال : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ أي من وجود إبليس بينكم وليس هو كما وصفتم أنفسكم به . وقيل بل تضمن قولهم : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ طلبا منهم أن يسكنوا الأرض بدل بني آدم ، فقال اللّه تعالى لهم : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ من أن بقاءكم في السماء أصلح لكم وأليق بكم . ذكرها الرازي مع غيرها من الأجوبة ، واللّه أعلم . ذكر أقوال المفسرين ببسط ما ذكرناه قال ابن جرير : حدثني القاسم بن الحسن قال : حدثنا الحسين قال : حدثني الحجاج عن جرير بن حازم ومبارك عن الحسن وأبي بكر عن الحسن وقتادة قالوا : قال اللّه للملائكة : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ، قال لهم إني فاعل وهذا معناه أنه أخبرهم بذلك « 2 » . وقال السدي : استشار الملائكة في خلق آدم ، رواه ابن أبي حاتم قال : وروي عن قتادة « 3 » نحوه . وهذه العبارة إن لم ترجع إلى معنى الإخبار ففيها تساهل « 4 » ، وعبارة الحسن وقتادة في رواية ابن جرير أحسن واللّه أعلم . فِي الْأَرْضِ . قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا أبو سلمة حدثنا حماد حدثنا عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن سابط أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « دحيت الأرض من مكة وأول من طاف بالبيت الملائكة . فقال اللّه : إني جاعل في الأرض خليفة ، يعني مكة » وهذا مرسل ، وفي سنده ضعف وفيه مدرج وهو أن المراد بالأرض مكة ، واللّه أعلم ، فإن الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك .
--> ( 1 ) البخاري ( بدء الخلق باب 6 ) والنسائي ( صلاة باب 21 ) وموطأ مالك ( سفر حديث 82 ) ( 2 ) تفسير الطبري 1 / 235 . ( 3 ) تفسير الطبري 1 / 246 . ( 4 ) التساهل لجهة الاستشارة .