ابن كثير
121
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 29 ] هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 29 ) لما ذكر تعالى دلالة من خلقهم وما يشاهدونه من أنفسهم ذكر دليلا آخر مما يشاهدونه من خلق السماوات والأرض فقال هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ أي قصد إلى السماء . والاستواء هاهنا مضمن معنى القصد والإقبال ، لأنه عدّي بإلى فسواهن أي فخلق السماء سبعا ، والسماء هاهنا اسم جنس فلهذا قال فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي وعلمه محيط بجميع ما خلق ، كما قال : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ [ الملك : 14 ] وتفصيل هذه الآية في سورة حم السجدة وهو قوله تعالى قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ . وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ . ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ . فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [ فصلت : 9 - 12 ] ففي هذا دلالة على أنه تعالى ابتدأ بخلق الأرض أولا ثم خلق السماوات سبعا ، وهذا شأن البناء أن يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه بعد ذلك ، وقد صرح المفسرون بذلك كما سنذكره بعد هذا إن شاء اللّه . فأما قوله تعالى أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها . رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها . وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها . وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها . أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها . وَالْجِبالَ أَرْساها . مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ [ النازعات : 27 - 33 ] فقد قيل إن ( ثم ) هاهنا إنما هي لعطف الخبر على الخبر لا لعطف الفعل على الفعل « 1 » ، كما قال الشاعر : [ الخفيف ] قل لمن ساد ثم ساد أبوه * ثم قد ساد قبل ذلك جدّه « 2 » وقيل إنّ الدحى كان بعد خلق السماوات ، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ، وقد قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ قال : إن اللّه تبارك وتعالى كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء ، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء فسما عليه فسماه سماء ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين في
--> ( 1 ) عبارة القرطبي : « ثم » لترتيب الإخبار لا لترتيب الأمر في نفسه . ( تفسير القرطبي 1 / 254 ) ( 2 ) البيت لأبي نواس في ديوانه 1 / 355 ؛ وخزانة الأدب 11 / 37 ؛ والدرر 6 / 93 ؛ وبلا نسبة في الجنى الداني ص 428 ؛ وجواهر الأدب ص 364 ؛ ورصف المباني ص 174 ؛ ومغني اللبيب 1 / 117 . والرواية المشهورة : « إن من ساد . . . » .