ابن كثير
110
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
المثلى ، وهدت إلى صراط اللّه المستقيم وشرعه القويم ، ونفت عن القلوب رجس الشيطان الرجيم . ولهذا ثبت في الصحيحين « 1 » عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « ما من نبي من الأنبياء إلا قد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه اللّه إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة » - لفظ مسلم « 2 » - وقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « وإنما كان الذي أوتيته وحيا » أي الذي اختصصت به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر أن يعارضوه بخلاف غيره من الكتب الإلهية فإنها ليس معجزة عند كثير من العلماء واللّه أعلم . وله عليه الصلاة والسلام من الآيات الدالة على نبوته وصدقه فيما جاء به ما لا يدخل تحت حصر وللّه الحمد والمنة . وقد قرر بعض المتكلمين الإعجاز بطريق يشمل قول أهل السنة وقول المعتزلة في الصرفة ، فقال : إن كان هذا القرآن معجزا في نفسه لا يستطع البشر الإتيان بمثله ولا في قواهم معارضته فقد حصل المدعى وهو المطلوب ، وإن كان في إمكانهم معارضته بمثله ولم يفعلوا ذلك مع شدة عداوتهم له كان ذلك دليلا على أنه من عند اللّه لصرفه إياهم عن معارضته مع قدرتهم على ذلك ، وهذه الطريقة وإن لم تكن مرضية لأن القرآن في نفسه معجز لا يستطيع البشر معارضته كما قررنا إلا أنها تصلح على سبيل التنزل والمجادلة والمنافحة عن الحق ، وبهذه الطريقة أجاب الرازي في تفسيره عن سؤاله في السور القصار كالعصر وإنا أعطيناك الكوثر . وقوله تعالى : فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ أما الوقود ، بفتح الواو ، فهو ما يلقى في النار لإضرامها كالحطب ونحوه ، كما قال تعالى : وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً [ الجن : 15 ] وقال تعالى : إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ . لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ [ الأنبياء : 98 - 99 ] والمراد بالحجارة هاهنا هي حجارة الكبريت العظيمة السوداء الصلبة المنتنة ، وهي أشد الأحجار حرا إذا حميت ، أجارنا اللّه منها . وقال عبد الملك بن ميسرة الزراد عن عبد الرحمن بن سابط عن عمرو بن ميمون عن عبد اللّه بن مسعود في قوله تعالى : وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ قال : هي حجارة من كبريت ، خلقها اللّه يوم خلق السماوات والأرض في السماء الدنيا يعدها للكافرين . رواه ابن جرير « 3 » وهذا لفظه وابن أبي حاتم والحاكم في مستدركه وقال : على شرط الشيخين . وقال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرّة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة : اتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة ، أما الحجارة فهي من كبريت أسود يعذبون به مع النار . وقال مجاهد حجارة من كبريت أنتن من الجيفة . وقال أبو جعفر محمد بن علي : حجارة من كبريت ، وقال ابن جريج : حجارة من كبريت أسود في النار ، قال :
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( فضائل القرآن باب 1 ؛ اعتصام باب 1 ) ومسلم ( إيمان حديث 239 ) ( 2 ) بالمقارنة مع لفظ مسلم لاحظنا اختلافا في ترتيب عدد من الألفاظ . ( 3 ) تفسير الطبري 1 / 204 .