ابن كثير

104

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [ غافر : 64 ] ومضمونه : أنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها ورازقهم ، فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره ولهذا قال : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ . وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال : قلت يا رسول اللّه أي الذنب أعظم عند اللّه ؟ قال : « أن تجعل للّه ندا وهو خلقك » الحديث « 1 » ، وكذا حديث معاذ : « أتدري ما حق اللّه على عباده ؟ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا » الحديث « 2 » ، وفي الحديث الآخر « لا يقولن أحدكم ما شاء اللّه وشاء فلان ، ولكن ليقل ما شاء اللّه ثم شاء فلان » . وقال حماد بن سلمة : حدثنا عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن الطفيل بن سخبرة « 3 » أخي عائشة أم المؤمنين لأمها قال : رأيت فيما يرى النائم كأني أتيت على نفر من اليهود فقلت من أنتم ؟ قالوا : نحن اليهود ، قلت : إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون عزيز ابن اللّه ، قالوا : وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء اللّه وما شاء محمد ، قال : ثم مررت بنفر من النصارى فقلت من أنتم ؟ قالوا نحن النصارى ، قلت : إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن اللّه ، قالوا : وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء اللّه وشاء محمد ، فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت ثم أتيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم فأخبرته فقال : « هل أخبرت بها أحدا ؟ » قلت : نعم ، فقام فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : « أما بعد فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا « 4 » أن أنهاكم عنها فلا تقولوا ما شاء اللّه وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء اللّه وحده » هكذا رواه ابن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث حماد بن سلمة به ، وأخرجه ابن ماجة من وجه آخر عن عبد الملك بن عمير به بنحوه ، وقال سفيان بن سعيد الثوري عن الأجلح بن عبد اللّه الكندي عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس قال : قال رجل للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ما شاء اللّه وشئت فقال : « أجعلتني للّه ندا ؟ قل ما شاء اللّه وحده » رواه ابن مردويه وأخرجه النسائي وابن ماجة من حديث عيسى بن يونس عن الأجلح به ، وهذا كله صيانة وحماية لجناب التوحيد ، واللّه أعلم . وقال محمد بن إسحاق حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( تفسير سورة 2 باب 3 ؛ وأدب باب 20 ؛ وحدود باب 20 ؛ وديات باب 1 ، وتوحيد باب 40 ) ومسلم ( إيمان حديث 141 ، 142 ) وأبو داود ( طلاق باب 5 ) والترمذي ( تفسير سورة 25 باب 1 و 2 ) والنسائي ( أيمان باب 6 ؛ وتحريم باب 4 ) وأحمد في المسند ( ج 1 ص 280 ) ( 2 ) أخرجه البخاري ( لباس باب 101 ؛ جهاد باب 46 ؛ استئذان باب 30 ؛ رقاق باب 27 ؛ توحيد باب 1 ) ومسلم ( إيمان حديث 48 - 51 ) ( 3 ) وهو الطفيل بن عبد اللّه بن الحارث بن سخبرة . وقد ينسب إلى جده فيقال : الطفيل بن سخبرة . ( أسد الغابة 3 / 53 ؛ وموسوعة رجال الكتب التسعة 2 / 203 ) ( 4 ) في مسند أحمد ( ج 5 ص 72 ) والدر المنثور ( ج 1 ص 76 ) : « وإنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم منها » .