محمد حسين علي الصغير
27
تطور البحث الدلالى دراسه تطبيقيه في القرآن الكريم
أصالة البحث الدلالي عند العرب : ولا تحسبن أن المحدثين قد أتوا بجديد محض ، أو ابتكروا ما لم يكن ، أو بحثوا ما لم يسبق إليه فالأمر قد يكون على العكس هنا ، ذلك إذا لاحظنا جهود السابقين من علماء العرب والمسلمين الذين أشاروا لجمل من الموضوع أو كتبوا في دلالته أو كشفوا عن سماته ، فكوّنوا بذلك ركائزه الضخمة وحققوا مزية الاكتشاف العلمي . إن وضع اللبنات الأولى لهذا التخطيط ، قد يعتبر سبقا إلى الموضوع وابتكارا متقصدا لمفرداته ، وتأصيلا متميزا لمصطلحه ، مهما كان التعبير عنه متفاوتا في الصيغ الأدائية لقد ذهب جملة من علمائنا القدامى إلى وجود مناسبة طبيعية بين اللفظ ومدلوله ، فالألفاظ عندهم لم تنفصل عن دلالاتها الصوتية في كثير من الأحيان ، كما لم تتخل عن المعاني الدالة عليها نقديا وبلاغيا ولغويا في شتى الوجوه المرتبطة بها عند الإطلاق « 1 » . إن هذه المدرسة المتفوقة الإدراك لم تتأصل فجأة ، ولم تتبلور معطياتها الجمالية بغتة ، وإنما عركها الزمن في تطوره من خلال الأخذ والرد وتقلب أيدي الفطاحل من العلماء الناقدين ، فأتت مختمرة الأبعاد وإن عبر عنها بشكل وآخر ، إلا أننا نرصدها هنا وهناك بعد جهد وعناء ، حتى تتكامل الرؤية الحقيقية لهذه المكنونات المجتزئة في إشارة عابرة حينا ، وفي إفادة عامة حينا آخر ، وبين طيّات تلك الكتب التي يصور هدفها الأولي مرادا معينا قد يختلف عما نحن بصدد إبرازه إلى العيان ، وليس اكتشاف هذه الشذرات أمرا هينا . ولكنه بطبيعية البحث العلمي عناء متراكم تتولد عنه
--> ( 1 ) ظ . المؤلف ، نظرية النقد العربي في ثلاثة محاور متطورة ، قضية اللفظ والمعنى .