محمد رأفت سعيد
86
تاريخ نزول القرآن الكريم
فقيل له : ما لك ؟ قال : إن بيني وبينه فحلا فاغرا فاه لو مشيت إليه لالتقمنى . ثانيا : إن الله تعالى مكن المسلمين من ناصيته يوم بدر لما لم ينته عن غيه وطغيانه ، فروى أنه لما نزلت سورة الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه : من يقرؤها منكم على رؤساء قريش ، فتثاقلوا مخافة أذيتهم فقام ابن مسعود وقال : أنا يا رسول الله فأجّله الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ثم قال : من يقرؤها عليهم ؟ فلم يقم إلا ابن مسعود ، ثم ثالثا كذلك إلى أن أذن له ، وكان صلّى اللّه عليه وسلم يبقى عليه لما كان يعلم من ضعفه وصغر جسمه ، ثم إنه وصل إليهم فرآهم مجتمعين حول الكعبة ، فافتتح قراءة السورة فقام أبو جهل فلطمه فشق أذنه ورماه ، فانصرف وعيناه تدمع ، فلما رآه النبي - عليه الصلاة والسلام - رق قلبه ، وأطرق رأسه مغموما فإذا جبريل عليه السّلام يجيء ضاحكا مستبشرا فقال : يا جبريل تضحك وابن مسعود يبكى ؟ فقال : ستعلم ، فلما ظهر المسلمون يوم بدر التمس ابن مسعود أن يكون له حظ في المجاهدين ، فأخذ يطالع القتلى ، فإذا أبو جهل مصروع يخور ، فخاف أن تكون به قوة فيؤذيه فوضع الرمح في منخره من بعيد فطعنه ، دليل هذا قوله تعالى : سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ ( 16 ) [ القلم ] ، ثم لما عرف عجزه ، ولم يقدر أن يصعد على صدره لضعفه فارتقى إليه بحيلة ، فلما رآه أبو جهل قال : لقد ارتقيت مرتقى صعبا ، فقال ابن مسعود : الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ، فقال أبو جهل : بلغ صاحبك أنه لم يكن أحد أبغض إلىّ منه في حياتي ، ولا أحد أبغض إلىّ منه حال مماتي ، فروى أنه - عليه الصلاة والسلام - لما سمع ذلك قال : « فرعونى أشد من فرعون موسى ، فإنه قال : آمَنْتُ [ يونس : 90 ] وهو قد زاد عتوا » ، ثم قال أبو جهل لابن مسعود : اقطع رأسي بسيفي هذا ؛ لأنه أحد وأقطع ، فلما قطع رأسه لم يقدر على حمله فشق أذنه وجعل الخيط فيه وجعل يجره إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، وجبريل بين يديه يعلمه ويقول : يا محمد أذن بأذن ، ولكن الرأس هاهنا مع الأذن . ثالثا : أخرج الترمذي وغيره عن ابن عباس قال : كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يصلى فجاءه أبو جهل ، فقال : ألم أنهك عن هذا ؟ فزجره النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال أبو جهل : إنك لتعلم ما بها ناد أكثر منى ، فأنزل الله فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ( 17 ) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ( 18 ) [ العلق ] قال الترمذي : حسن صحيح ، وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : لو دعا ناديه لأخذته الزبانية من ساعته معاينة ، وقيل هذا إخبار من الله تعالى بأنه يجر في الدنيا كالكلب ، وقد فعل به