محمد رأفت سعيد
79
تاريخ نزول القرآن الكريم
الوادي ناديا فأنزل الله تعالى : فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ( 17 ) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ( 18 ) [ العلق ] قال ابن عباس : والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله ، فكأنه تعالى لما عرفه أنه مخلوق من علق ، فلا يليق به التكبر فهو عند ذلك ازداد طغيانا وتعززا بما له ورئاسته في مكة ، ويروى أنه قال : ليس بمكة أكرم منى ، ولعله - لعنه الله - قال ذلك ردا لقوله تعالى : وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) وعلى ذلك نقول : إن المناسبة بين الآيات قائمة وخاصة عند من يقول : بأن المراد من الإنسان المذكور في هذه الآية جملة الإنسان ، فبين الله تعالى أنه خلقه من علقة ، وأنعم عليه بالنعم التي قدمنا ذكرها ؛ إذ أغناه ، وزاد في النعمة عليه فإنه يطغى ويتجاوز الحد في المعاصي واتباع هوى النفس ، وذلك وعيد وزجر عن هذه الطريقة هكذا يستمر السياق إلا أن القول الأول أظهر بحسب الروايات وهذا ما يجعلنا نقول : أن هذا يقتضى أن يكون الرسول الكريم قد صدع بأمر ربه ، وعرف المؤمنون به والمعارضون له والواقفون في طريق دعوته ، والذين تمادوا بعد ذلك في المبالغة والتجاوز في إيذائه وتعذيب أصحابه ، وعلى ذلك يكون نزول هذه الآيات الكريمة بعد فترة زمنية ليست بالقصيرة ، نزلت فيها آيات أخرى سنتناولها - إن شاء الله - في مكانها ، وقد عرفت هذه الفترة بالفترة السرية والتي انتهت بصعود النبي صلّى اللّه عليه وسلم على جبل الصفا وندائه على بطون قريش وإعلانه لهم بأنه رسول الله إليهم ، وأنه نذير لهم بين يدي عذاب شديد ، ومن يومها كانت الشرارة الأولى في التحديات ، والتي أطلقها عمه أبو لهب قائلا : تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا ؟ ومن هذه الساعة أخذت الفتنة البدنية والمالية طريقها وشملت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، ومن هذه الفتنة التي لحقت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وضع القاذورات والنجاسات عليه وهو ساجد ، وكذلك وضع الشوك في طريقه كما كانت تصنع امرأة أبى لهب وابنتها ، بالتدبير لقتله وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ( 30 ) [ الأنفال ] ، وكانت هذه المحاولات لصرف الرسول عن دعوته وتخويف الناس حتى لا يؤمنوا به ومحاولة التأثير على من آمن به للعودة إلى الكفر . ولذلك تجد الآيات من سورة العلق تذكر مثل هذه التصرفات الطائشة من المشركين الذين وقفوا في طريق الدعوة ؛ لتردعهم ولتزجر غيرهم ؛ ولتعلمهم أنهم بقوتهم ضعفاء أمام قوة الله وقدرته ، وأن الله سينصر رسوله ويعلى كلمته ولو كره المشركون . قال تعالى : ( كلا ) وجاء في معناها أنها للردع والزجر لمن كفر بنعمة الله بطغيانه ، والكلام يدل عليه وإن لم يذكروا الوجه الثاني - وقال به مقاتل : كلا لا يعلم الإنسان أن الله