محمد رأفت سعيد
75
تاريخ نزول القرآن الكريم
أمامنا مبدأ آخر ، وهو : وجوب معرفة الرب الخالق - سبحانه وتعالى - وهذه المعرفة من أول الواجبات ، ومن أهمها وقد بدأ بها القرآن الكريم مع الناس بداية تتلاءم مع ما كانوا عليه من عبادة الأوثان ، فالحكيم - سبحانه وتعالى - لما أراد أن يبعثه رسولا إلى المشركين لو قال له : اقرأ باسم ربك الذي لا شريك له لأبوا أن يقبلوا ذلك منه ، لكنه تعالى قدم لذلك مقدمة تلجئهم إلى الاعتراف به ، فكأن الحق سبحانه يقول : إن هؤلاء عباد الأوثان فاذكر لهم أنهم هم الذين خلقوا من العلقة فلا يمكنهم إنكاره ، ثم قل : ولا بد للفعل من فاعل فلا يمكنهم أن يضيفوا ذلك إلى الوثن لعلمهم بأنهم نحتوه ، فهذا التدريج مقرون بأنى أنا المستحق للثناء دون الأوثان ، كما قال تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ الزخرف : 87 ] فإذا أيقنوا بذلك وصلوا إلى التفريق بين من يخلق ومن لا يخلق أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [ النحل : 17 ] ووصولا بذلك إلى الإذعان لأمره ونهيه ، وحققوا في أنفسهم توحيد الألوهية مع توحيد الربوبية . وفي ذكر الخلق من علق غير مشاهد للإنسان وقت نزول الوحي وأصبح اليوم معلوما مشاهدا بالأدوات الطبية والمناظير وأصبحت أطوار خلق الإنسان التي حكى عنها القرآن الكريم تفصيلا معروفة ، دليل واضح على صدق رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم في تبليغه لكلام ربه الذي لا يعلم الغيب إلا هو ولا خالق سواه ، وعلى ذلك يكون الترتيب كما سبق « اقرأ » فالقراءة مفتاح العلم ، وإذا كان العلم دليل العمل والعمل باسم الله الرب الخالق الرازق الكريم ، وأول ما ينبغي أن يعلم ويعرف توحيد الله توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية ، ثم يأتي التكرار المؤكد لما سبق الذي يقدم مع التأكيد مزيدا من المعاني فيقول تعالى : اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) [ العلق ] . ويوجه بعض العلماء هذا الأمر بالقراءة مع الأمر السابق أن الأول لنفسه والثاني للتبليغ . أو الأول للتعلم من جبريل والثاني للتعليم . وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ فمن كرمه تعالى أن خلق ورزق ، وربّى ومنح خلقه بلا عوض ، وهذا هو معنى الكريم ، فالكرم إفادة ما يبتغى بلا عوض وهو سبحانه أكرم ، وفي بيان وجوه بعض أكرميته يقول بعض العلماء : إنه كم من كريم يحلم وقت الجناية ، لكن لا يبقى إحسانه على الوجه الذي كان قبل الجناية وهو تعالى أكرم ، لأنه يزيد بإحسانه بعد الجناية ، ومنه قول القائل : متى زدت تقصيرا تزد لي تفضلا * كأني بالتقصير أستوجب الفضلا