محمد رأفت سعيد
73
تاريخ نزول القرآن الكريم
فإنه يجاب عن هذا بأن هذا الأمر لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أمر لأمته ، ولا يعنى الأمر بذكر اسم الله عند القراءة ، وعند طلب العلم ، وعند القيام بالعمل أن الرسول لا يذكر الله في كل أحيانه ، بل هذا تدعيم لما كان عليه من الذكر الدائم ، وأمر لأمته بأن يكونوا على ذلك . والقول الثاني : في تفسير ذلك أن المراد من قوله : « اقرأ » أي اقرأ القرآن إذ القراءة لا تستعمل إلا فيه ، قال تعالى : فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) [ القيامة ] وقال وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا ( 106 ) [ الإسراء ] وقوله بِاسْمِ رَبِّكَ تحتمل وجوها أحدها : أن يكون التقدير : اقرأ القرآن مفتتحا باسم ربك أي قل : باسم الله ثم « اقرأ » وفي هذا دلالة علي أنه يجب قراءة التسمية في ابتداء كل سورة كما أنزل الله تعالى وأمر به ، وفي هذه الآية رد على من لا يرى ذلك واجبا ولا يبتدئ بها . وثانيها : أن يكون المعنى : اقرأ القرآن مستعينا باسم ربك ، وتحقيق ذلك أنه لما قال له : « اقرأ » فقال له : « لست بقارئ » ، فقال : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ، أي استعن باسم ربك واتخذه معينا في تحصيل ما تيسر عليك ، وثالثها : أن قوله : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ أي اجعل هذا الفعل لله وافعله لأجله كما تقول : بنيت هذه الدار باسم فلان ولأجله فإن العبادة إذا صارت لله تعالى فكيف يجترئ الشيطان أن يتصرف فيما هو لله تعالى ، فإن قيل : كيف يستقيم هذا التأويل في قولك ، قبل الأكل : باسم الله ، وكذا قبل كل فعل مباح ؟ ويجيب الرازي عن هذا بوجهين : أحدهما : إن الإضافة هنا للفعل إلى العظيم - جل جلاله - ليقطع الشيطان طمعه عن مشاركتك ، فقد روى أن : من لم يذكر اسم الله شاركه الشيطان في ذلك . والثاني : أنه ربما استعان بذلك المباح على التقوى ، وعلى طاعة الله فيصير المباح طاعة ، فيصح ذلك التأويل فيه . إذا كانت الآيات الكريمة الأولى في التنزيل اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ تقرر مبدأ القراءة أولا ، ومبدأ أن تكون هي والعمل جميعا باسم الله استعانة وطلبا لمرضاته ، يبقى أن نتأمل ذكر كلمة « الرب » - سبحانه - في قوله تعالى : بِاسْمِ رَبِّكَ ، وذلك مناسب غاية المناسبة لموقفين : أحدهما : مع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم والآخر مع الناس ؛ أما مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم فإن الرسول الكريم بلقائه مع جبريل في صورته الملكية والتي خلق عليها فزع وخشي على نفسه ،