محمد رأفت سعيد

68

تاريخ نزول القرآن الكريم

أولا : أن مصاحف الصحابة كانت مختلفة في ترتيب السور قبل أن يجمع القرآن في عهد عثمان ، فلو كان هذا الترتيب توقيفيا منقولا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ما ساغ لهم أن يهملوه ، ويتجاوزوه ، ويختلفوا فيه ذلك الاختلاف الذي تصوره الروايات ؛ فهذا مصحف أبي بن كعب روى أنه كان مبدوءا بالفاتحة ثم البقرة ثم النساء ثم آل عمران ثم الأنعام . . إلخ ، وهذا مصحف على كان مرتبا على النزول فأوله « اقرأ » ثم « المدثر » ثم « ق » ثم « المزمل » ثم « تبت » ثم « التكوير » ، وهكذا إلى آخر المكي والمدني . ثانيا : ما جاء في المصاحف من طريق إسماعيل بن عباس عن حبان بن يحيى عن أبي محمد القرشىّ قال : أمرهم عثمان أن يتابعوا الطوال فجعل سورة الأنفال وسورة التوبة في السبع ، ولم يفصل بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم ، وهو يشير بهذا إلى ما رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال : قلت لعثمان ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني ، وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ، ولم تكتبوا بينهما سطر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ؟ وقد ذكرنا هذه الرواية بتمامها في مناقشة القول الأول . ويناقش هذا القول وهذا المذهب بالأحاديث الدالة على التوقيف - والتي ذكرناها في القولين السابقين - كما يناقش دليلهم الأول باحتمال أن اختلاف من خالف من الصحابة في الترتيب إنما كان قبل علمهم بالتوقيف ، أو كان في خصوص ما لم يرد فيه توقيف دون ما ورد فيه . كما يمكن مناقشة دليلهم الثاني بأنه خاص بمحل وروده ، وهو سورة الأنفال والتوبة ويونس فلا يصح أن يصاغ منه حكم عام على القرآن الكريم كله . وبعد أن عرضنا للأقوال الثلاثة بأدلتها ، ومناقشة هذه الأدلة نذكر ما قاله السيوطي رحمه الله في هذا فيقول : والذي ينشرح له الصدر ما ذهب إليه البيهقي وهو أن جميع السور ترتيبها توقيفى إلا براءة والأنفال ، ولا ينبغي أن يستدل بقراءة سور أوّلا على أن ترتيبها كذلك ، وحينئذ فلا يرد حديث قراءة النساء قبل آل عمران ، لأن ترتيب السور في القراءة ليس بواجب ولعله فعل ذلك لبيان الجواز . والإمام الزركشي يرى : أن الخلاف من أساسه لفظي ، فقال في البرهان : والخلاف بين الفريقين - أي القائلين بأن الترتيب عن اجتهاد ، والقائلين بأنه عن توقيف - لفظي لأن القائل بالثاني يقول : إنه رمز إليهم ذلك لعلمهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته ،