محمد رأفت سعيد
46
تاريخ نزول القرآن الكريم
حاجة إلى مجموعة من العناصر التي يتم بها العلاج فهي في حاجة إلى تصحيح نظرتها إلى الحياة وفي حاجة إلى الإيمان بخالق الحياة ، وفي حاجة إلى تخليص هذا الإيمان من مظاهر الشرك وفي حاجة إلى بيان عاقبة الإنسان مع الابتلاء بالشر والخير . وكل هذا لا يتم جملة بل تنزل آيات تفصل في مفهوم الإيمان وتبينه ، وآيات بعد ذلك تبين حقيقة الابتلاء ومجالاته ، وآيات تقدم نماذج سابقة لمن وقع في البلاء بنوعيه ، ونماذج ممن نجح في الابتلاء ، ونماذج لم توفق ، وعاقبة النموذجين ، والأخذ بأيدي الناس في مواقف عملية يعقب عليها بآيات قرآنية لنخرج من هذه العناصر المترابطة ببناء النفسية القوية في إيمانها ، والقوية في مواجهتها . فهذه الخنساء مع قولين لها ندرك كيف تغيرت المفاهيم ؟ وكيف تغيرت المواجهة لعنصر من عناصر الابتلاء ؟ قالت في جاهليتها في رثاء أخيها : يذكرني طلوع الشمس صخرا * وأذكره لكل غروب شمس ولولا كثرة الباكين حولى * على إخوانهم لقتلت نفسي وقالت في إسلامها تعقيبا على استشهاد أبنائها الأربعة : الحمد لله الذي شرفني بقتلهم جميعا ، وأرجو من ربى أن يجمعني بهم في مستقر رحمته . فالنفسية الأولى جزعة يصل بها الجزع إلى الحزن القاتل والتفكير في التخلص من الحياة ؛ وذلك لأن مفهوم الحياة مفهوم « جاهلي » كما سبق ، وحقيقة الموت غير واضحة ، والإيمان بالخالق سبحانه والبعث والجزاء ليس متحققا في نفوسهم فكم من الوقت ، وكم من التوجيهات ، وكم من الجهد يبذل لتصل النفس إلى الإيمان الذي يعد صاحبه الموت في سبيل الله شرفا ، وأن الشهادة والموت لا يفرق تفريقا لا لقاء بعده ، بل هناك الجمع واللقاء ، والأمل أن يجمع الله الخنساء بأبنائها في مستقر رحمته . الجانب الثالث : والمتصل بالتربية : أن تفاعل الناس مع الوحي وظهور مشكلات ذهنية أو اجتماعية أو خصومات فيما بينهم كل ذلك يحتاج إلى تنزلات الوحي ليجيب عن سؤال سائل ، أو ليعالج مشكلة وقعت ، أو ليبين وجه الحق في موقف من المواقف ، وكل هذه أساليب تربوية تثبت المعاني حيث يعرف السؤال أو الموقف بجوانبه ويعرف الجواب فيعلق ذلك ليستفاد منه وقت النزول وبعده عند حدوث النظير والمشابه من الحوادث ، وهذا كله لا يتحقق لو أنزل جملة واحدة . الجانب الرابع : من المنهج أن التدرج في التربية يقتضى أن ينسخ حكم سابق بحكم لاحق يدرك الناس منه لطف الله بهم ، وتيسيره عليهم ، ورفع الحرج عنهم ، ورحمته بهم ، وهذا يوقع في اللبس لو أنزل جملة واحدة فكيف يعرف الناسخ من