محمد رأفت سعيد

352

تاريخ نزول القرآن الكريم

واستعجال العذاب ، فإن قلوب المجرمين لا تذعن إلا إذا تطهرت ، وفي حالة إجرامها فلن تؤمن بالقرآن الكريم وإعجازه ولو أنزله الله على أعجمي ، ولن يؤمنوا به حتى ينزل عليهم العذاب . ولو كان تكذيبهم لانغماسهم في الشهوات فهل المتعة بالشهوات تغنى إذا وقع العذاب ؟ . قال تعالى : وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ( 198 ) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ( 199 ) كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ( 200 ) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 201 ) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 202 ) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ( 203 ) أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ( 204 ) ، قال مقاتل : قال المشركون للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : يا محمد إلى متى تعدنا بالعذاب ولا تأتى به ؟ فنزلت : أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ( 204 ) ، ثم ينزل هذا التساؤل الذي يجعل متع الدنيا لا قيمة لها مع وقوع العذاب فيقول تعالى : أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ( 205 ) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ ( 206 ) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ ( 207 ) . وتبين الآيات بعد ذلك سنة الله مع خلقه في أنه سبحانه ما أهلك قرية من القرى إلا بعد الإنذار إليهم والإعذار بإرسال الرسل وإنزال الكتب ليذّكر هؤلاء قال تعالى : وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ ( 208 ) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ ( 209 ) . وتنبّه الآيات الكريمة بعد ذلك إلى أمور جديرة بالعناية حتى يتخلص الناس من الأوهام والظنون التي شغلوا أنفسهم بها نحو وحى الله سبحانه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، فبعد الاطمئنان السابق على تنزيل القرآن الكريم من رب العالمين على قلب رسوله صلّى اللّه عليه وسلم عن طريق الروح الأمين عليه السّلام يأتي النفي والرد لما زعمه الكفرة في القرآن الكريم أنّه من قبيل ما يلقيه الشياطين على الكهنة . فهذا الزعم مردود لأن الله حفظ كتابه ، قال تعالى : وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ( 210 ) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ ( 211 ) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ( 212 ) . ولو أن هؤلاء آمنوا وفتحوا قلوبهم للتوحيد لتطهّرت قلوبهم من هذه الأوهام ولذلك يأتي الخطاب إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم بالتوحيد مع كونه منزّها عنه معصوما منه لحثّ العباد على التوحيد ونهيهم عن شوائب الشرك وكأنه قال : أنت أكرم الخلق علىّ وأعزّهم عندي ، ولو اتخذت معي إلها لعذبتك ، فكيف بغيرك من العباد « 1 » . قال تعالى : فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ( 213 ) وإذا كان هذا تنبيها إلى إقامة الناس على التوحيد ، فإن الأمر الذي يلي هذا أن ينذر الرسول صلّى اللّه عليه وسلم عشيرته الأقربين ، وإذا كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم سينذر عشيرته الأقربين فليس معنى ذلك أن دعوته لهم وحدهم كما تصوّر بعض الناس ، بل إن ذلك من التدرج الصحيح في الدعوة والتي تبدأ بالداعي ثم الذي يليه فقد ذكر قبلها مباشرة : فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ

--> ( 1 ) فتح القدير 4 / 119 .