محمد رأفت سعيد
345
تاريخ نزول القرآن الكريم
ومع بيان وصف الكتاب العزيز بأنه مبين ، ومع هذا كان موقف بعض الناس منه الإعراض والتكذيب ، لأنهم لم يفتحوا عيونهم على آيات الله الكونية فعميت قلوبهم عن آيات الله القرآنية ، وتقدّم الآيات الكريمة - بعد ذلك - وجها من وجوه الإعجاز في هذا الكتاب المبين وهو الإخبار عن السابقين وما كان من موقف الأمم السابقة مع رسلهم ، وهي أخبار لا يعلمها إلا الله سبحانه الذي نزّل الكتاب على عبده . وفي الوقت نفسه يكون في هذه الأخبار ما يفيد من أراد الهداية والانتفاع من تجارب الآخرين ، والسعيد من وعظ بغيره فبدأت الآيات بالحديث عن موسى عليه السّلام ، وقد سبق الحديث عنه في آيات كريمات من سور سابقة ولكن نجد أن تجدّد ذكر الأنبياء مع أقوامهم في مواضع متعددة يكون مصحوبا بجوانب تربوية ومواقف تتناسب مع السياق الذي ترد فيه . ففي موضع تذكر جزئيات خاصة وفي موضع آخر يفصّل في غيرها وهكذا فتعرض الآيات الكريمة - هنا - شيئا مما يتعلق بنبي الله موسى عليه السّلام وقد ذكر من قبل - مثلا - في سورة طه في جوانب من نعم الله عليه منذ ولادته إلى بعثته ، وما جرى مع قومه - وهنا تأتى جوانب من حياته لتعين الناس على استخلاص العبرة من قصة موسى مع القوم الظالمين وضيق صدره من مواجهة الطاغين ، وكيف أيده الله وأعانه وشد أزره بأخيه هارون ، قال تعالى : وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 10 ) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَ لا يَتَّقُونَ ( 11 ) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ( 12 ) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ ( 13 ) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ( 14 ) قالَ كَلَّا فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ( 15 ) فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 16 ) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ ( 17 ) . ثم تبين الآيات بعد ذلك موقف فرعون منهما ومحاولته صرف موسى عن دعوته بذكر ما صنعه معه وليدا ، وما فعله موسى عندما استغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى ، قال تعالى : قالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ( 18 ) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 19 ) ، وكان جواب موسى عليه السّلام مبصّرا لفرعون ومبينا له حقيقة استعباده لشعب بني إسرائيل في مقابل ما يذكره من صنيعه بموسى عليه السّلام ، قال تعالى : قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ( 20 ) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 21 ) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 22 ) . ثم تعرض الآيات الكريمة سؤال فرعون لموسى عن ربّ العالمين ، وكان جوابه عليه السلام مصححا لما أوقعه فرعون في الناس من ضلال فأجابه بأنه سبحانه ربّ هذا الكون بسمائه وأرضه وما بينهما ، ورب الناس الذين يعيشون في هذا الكون ، وربّ الزمان والمكان ، ولا شريك له في ذلك ، وهو الذي يستحق العبادة وحده فلا إله إلا هو ، قال