محمد رأفت سعيد

327

تاريخ نزول القرآن الكريم

هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا ( 70 ) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ( 71 ) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا ( 72 ) أخرج البخاري رحمه الله وغيره عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لجبريل : « ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا » ؟ فنزلت : وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ . . . الآية ، وزاد ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وكان ذلك الجواب لمحمد « 1 » . وبعد بيان هذه الحقائق السابقة وما يتنزل بأمر الله من الوحي ، تذكر الآيات الكريمة مقالة الكافرين للذين آمنوا في المقارنة بين فقراء أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم وما كانوا عليه من خشونة في العيش ، والمشركين وما كانوا فيه من ترف ، وخدعوا في هذه المقارنة فلم يبصروا القيم التي تجعل الإنسان إنسانا كريما فرأوا أن أصحابهم أحسن مظهرا ، ونسي هؤلاء سنة الله في الإمهال ، وأن من كان في الضلالة مثلهم فليدعه في طغيانه ، جهله وكفره ، ليجد مصيره الأليم وهذا غاية في التهديد والوعيد ، وهذا المصير قد يكون في الدنيا فيعذبون بالنصر عليهم وقد يكون في الآخرة ، قال تعالى : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ( 73 ) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً ( 74 ) قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً ( 75 ) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا ( 76 ) . وتقدم الآيات الكريمة بعد ذلك صورة من الغرور والجهل الذي كان عليه المشركون فقد روى الأئمة - واللفظ لمسلم - عن خباب قال : كان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال لي : لن أقضيك حتى تكفر بمحمد ، قال : فقلت له : لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث ، قال : وإني لمبعوث من بعد الموت ؟ فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد . قال وكيع : كذا قال الأعمش فنزلت هذه الآية : أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً ( 77 ) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ( 78 ) كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا ( 79 ) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً ( 80 ) وفي رواية قال : كنت قينا في الجاهلية أي كان حدادا فعملت للعاص بن وائل عملا فأتيته أتقاضاه . خرّجه البخاري - أيضا - وقال الكلبي ومقاتل : « كان خباب قينا فصاغ للعاص حليّا ثم تقاضاه أجرته ، فقال العاص : ما عندي اليوم ما أقضيك . فقال خباب : لست بمفارقك حتى تقضينى ، فقال العاص : يا خباب مالك ؟ ما كنت هكذا ، وإن كنت لحسن الطلب فقال خباب : إني كنت على دينك فأما اليوم فأنا على دين الإسلام مفارق لدينك . قال

--> ( 1 ) القرطبي 11 / 145 ، 146 .