محمد رأفت سعيد
321
تاريخ نزول القرآن الكريم
سورة « مريم » نزلت بعد فاطر فهي مكية بإجماع ، ومما يدل على مكيتها ما ذكره أبو داود « 1 » : لما كانت وقعة بدر ، وقتل الله فيها صناديد الكفار ، قال كفار قريش : « إن ثأركم بأرض الحبشة ، فأهدوا إلى النجاشي ، وابعثوا إليه رجلين من ذوى رأيكم لعله يعطيكم من عنده من قريش ، فتقتلوهم بمن قتل منكم ببدر ؛ فبعث كفار قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة ، فسمع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ببعثهما ، فبعث رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم عمرو ابن أمية الضّمرىّ ، وكتب معه إلى النجاشي فقدم على النجاشي ، فقرأ كتاب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين ، وأرسل إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم ، ثم أمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ سورة مريم : كهيعص ( 1 ) وقاموا تفيض أعينهم من الدمع فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 82 ) . وقرأ إلى قوله تعالى : فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( 83 ) . وفي السيرة « 2 » فقال النجاشىّ : هل معك مما جاء به عبد الله شئ ؟ قال جعفر : نعم ، فقال له النجاشي : اقرأه علىّ . قال : فقرأ : كهيعص ( 1 ) فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته ، وبكت أساقفتهم حتى أخضلوا لحاهم حين سمعوا ما يتلى عليهم ، فقال النجاشىّ : إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكما أبدا « 2 » . فهذا يدل على نزول سورة « مريم » في مكة وحفظ الصحابة لها قبل ذهابهم إلى الحبشة وهجرتهم إليها فكانت قراءة جعفر لها على النجاشي والقسيسين . وقد قيل : إن قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا ( 58 ) . آية مدنية ، ذكر ذلك مقاتل « 4 » وقيل كذلك : إن قوله تعالى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ( 71 ) آية مدنية . ولكن ليس مع القولين دليل قوىّ مما جعل القرطبي يحكى أنها مكية بإجماع دون أن يستثنى وكذلك الشوكاني فذكر ما أخرجه النحاس وابن مردويه عن ابن عباس قال : أنزلت بمكة سورة كهيعص ( 1 ) وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير قال : نزلت سورة مريم بمكة « 5 » .
--> ( 1 ) القرطبي 11 / 72 ، 73 . ( 2 ) القرطبي 11 / 73 . ( 4 ) قلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ في القرآن : مرعى بن يوسف الكرمي 137 . ( 5 ) فتح القدير 3 / 320 .