محمد رأفت سعيد
309
تاريخ نزول القرآن الكريم
المشركون : لو كان محمد كما يزعم نبيا فلم يعذّبه ربّه ؟ ألا ينزل عليه القرآن جملة واحدة ، ينزل عليه الآية والآيتين والسورة والسورتين ، فأنزل الله على نبيه جواب ما قالوا : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا ( 32 ) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ( 33 ) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلًا ( 34 ) . ومع سوء فهم الكافرين لحكمة نزول القرآن الكريم مفرقا وإعراضهم الذي وصل بهم إلى جهنم . تذكر الآيات الكريمة بعد ذلك لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ما حدث مع أنبياء الله ورسله من أقوامهم وكيف كان إعراضهم وعاقبة هذا الإعراض ، وكيف أن هؤلاء الكافرين يرون آثار ما وقع بهؤلاء الكافرين السابقين ، قال تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً ( 35 ) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً ( 36 ) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً ( 37 ) وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً ( 38 ) وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً ( 39 ) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً ( 40 ) . وتذكر الآيات الكريمة المنزلة بعد ذلك أسلوبا وصورة من صور التحدي التي يراد بها التأثير على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وعلى المؤمنين وهو أسلوب السخرية والاستهزاء . فكان أبو جهل يقول للنبي صلّى اللّه عليه وسلم مستهزئا : « أهذا الذي بعث الله رسولا » فنزل فيه قوله تعالى : وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ( 41 ) . كما تذكر الآيات ما كان من شأن الكافرين في قلب الحقائق حيث يصفون من يهدى إلى التوحيد وإلى الصراط المستقيم بأنه يضلهم عن آلهتهم ، ولكنهم صبروا واستمسكوا بآلهتهم ، ويكشف القرآن ضلالهم في أنهم يتبعون أهواءهم في عبادتهم لهذه الآلهة المزعومة ، ومن هنا يكون العجب من إضمارهم الشرك ، وإصرارهم عليه مع إقرارهم بأنه سبحانه خالقهم ورازقهم ، ثم يقصدون حجرا يعبدونه من غير حجّة ، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : كان الرجل يعبد الحجر الأبيض زمانا من الدهر في الجاهلية ، فإذا وجد حجرا أحسن منه رمى به وعبد الآخر « 1 » . قال تعالى : إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا ( 42 ) أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ( 43 ) .
--> ( 1 ) فتح القدير 4 / 78 ، 79 .