محمد رأفت سعيد

304

تاريخ نزول القرآن الكريم

وتبدأ السورة الكريمة في بيان عظمة الخالق الكاملة وتفرده بالوحدانية وكثرة خيراته وإحسانه ، ومن أعظم هذه الخيرات أن ينزل الفرقان علي عبده ليكون فارقا بين الحق والباطل في كل شئ ، وهاديا للتي هي أقوم في كل أمر : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ( 1 ) . ومع بيان التوحيد الخالص يذكر وصف المنزّل عليه ، وخير وصف له وصفه بالعبودية لله سبحانه ، كما يعرّف الناس بأن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أنزل عليه الفرقان لينذر العالمين فرسالته عامة وليست لقومه فحسب . وأساس هذه الرسالة التوحيد الخالص ويذكر من جوانبه : أنه سبحانه له ملك السماوات والأرض ، فله التصرف فيهما وحده وكل من فيهما عبيد له خاضعون لربوبيته فقراء إلى رحمته ، وأنه سبحانه منزه عما وصفه به الضالون من نسبة الولد إليه أو الشركاء في الملك . وتجاور هذه الصفات الجليلة لله سبحانه تعين السامع والقارئ على التنزيه ، فكيف يكون له الملك والكل عبيد له خاضعون لربوبيته ثم يزعم قوم أن له ولدا أو شريكا وهو القاهر وغيره مقهور والغنى والمخلوقون مفتقرون إليه قال تعالى : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ( 1 ) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ( 2 ) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً ( 3 ) . ثم تذكر الآيات الكريمة بعد ذلك مزاعم الكافرين الذين واجهوا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وما جاء به من عند ربه . فطعنوا في القرآن الكريم وطعنوا في المنزّل عليه صلّى اللّه عليه وسلم . وهي مطاعن مزيّفة قادهم إليها الهوى والحقد والحسد وخشية فوات المغانم المادية ، وسوء فهمهم للنبوة واصطفاء الله سبحانه لمن شاء من خلقه ليكون للناس رسولا . فوصفوا القرآن وهو أصدق الكلام وأعظمه وأجلّه بأنه كذب وافتراء ، ووصفوا الرسول صلّى اللّه عليه وسلم - وهم الذين لقبوه بالصادق الأمين ، وأقروا بصدقه وأمانته نتيجة عشرة ومعرفة بحقيقته أكثر من أربعين سنة « 1 » - بالكذب على الله ، وأنه ينسب هذا الكلام إلى الله وقد علّمه إياه قوم آخرون ، وترد الآيات عليهم بأنهم ظالمون كاذبون في مطاعنهم هذه . قال تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً ( 4 ) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ( 5 ) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 6 ) . وتذكر الآيات بعد ذلك فساد تصور هؤلاء عن الرسالة والرسول وصفاته وما يكون

--> ( 1 ) القرطبي 10 / 329 .