محمد رأفت سعيد
246
تاريخ نزول القرآن الكريم
أصابعه ، أخرجه أبو داود « 1 » فهذا الاضطراب والاختلاط الذي وقع الناس فيه عالجه الذكر الحكيم في سورة « ق » على النحو التالي : أولا : مكاشفة الناس بنعمة الله عليهم بنزول القرآن المجيد . وبواقعهم وموقفهم المتعجب من بعثة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ومن البعث . ثانيا : إخبارهم بعلم الله سبحانه بما تأكل الأرض من أجسادهم فلا يضل عنه سبحانه شئ حتى تتعذر عليه الإعادة التي يتعجبون منها . ثالثا : توجيه النظر إلى السماء وإلى الأرض وإلى ما بينهما . أما النظر إلى السماء فيقفون فيه على ثلاثة أدلة : الأول : دليل القدرة في قوله تعالى : وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ ( 6 ) فالسماء على شدة خلقها زيّنت بالنجوم والكواكب التي يشاهدها هؤلاء وأمسكها الله إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا [ فاطر : 41 ] . والأرض كذلك مدّت وألقيت فيها الرواسي ، وأنبت الله فيها من مظاهر الجمال والزينة من كل زوج بهيج تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ( 8 ) . وأما ما بينهما فإن الله أنزل من السماء ماء مباركا فأنبت به مظاهر الجمال والنظام في الجنات ، وفي حب الحصيد والنخل الباسقات ذات الطلع النضيد ، وفي هذا رزق للعباد يحيون به ويحيى الله به بلدة ميتا ، وفي ذلك من مظاهر البعث المتجدد بتجدد الرزق ما ينقذ هؤلاء من خلطهم واضطرابهم في أمر البعث ففي كل يوم جديد مظاهر بعث لما يشاهدون فلما ذا يتعجبون ؟ ! رابعا : توجيه النظر إلى العبرة التاريخية في أن المكذبين لم يتركوا وعوقبوا . خامسا : الاستدلال العقلي بالقدرة على الخلق الأول في عدم استبعاد الإعادة والبعث . سادسا : تجمع الآيات الكريمة بين خلق الإنسان ، وأنه تحت سلطان خالقه وعلمه بما توسوس به نفسه ، وأنه أقرب إليه من حبل الوريد ، وأن أعماله وأقواله مراقبة ، وأنه ماض في طريقه إلى ربه رغما عنه وأن غفلته لن تغنى عنه ، وأنه سيقف على حقائق الأمور بعد الموت والنفخ في الصور ، ليرى كيف يكون مصير الكفار المعاندين وكيف
--> ( 1 ) القرطبي 17 / 5 .