محمد رأفت سعيد

240

تاريخ نزول القرآن الكريم

سورة « المرسلات » نزلت بعد سورة « الهمزة » فهي مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر إلا قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ ( 48 ) فإنها مدنية ذكر ذلك ابن عباس وقتادة « 1 » وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : نزلت سورة المرسلات بمكة « 2 » وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال : بينما نحن مع النبي صلّى الله عليه وآله وسلم في غار بمنى إذ نزلت سورة وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فإنه ليتلوها وإني لأتلقاها من فيه ، وإن فاه لرطب بها إذ وثبت علينا حية فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « اقتلوها » ، فابتدرناها فذهبت ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « وقيت شرّكم كما وقيتم شرّها » « 3 » . والسورة الكريمة تقدم للناس تخويفا ووعيدا يزجرهم وينذرهم عاقبة التكذيب على الرغم من وضوح الآيات الباهرة فيما يشاهدون وفي عبرة التاريخ وفي أنفسهم ولذلك تكررت الآية الكريمة وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 15 ) والويل الهلاك ، أو هو اسم واد في جهنم ، ويرى الشوكاني رحمه الله أن تكرير هذه الآية في هذه السورة ، لأنه قسّم الويل بينهم على قدر تكذيبهم ، فإن لكل مكذب بشيء عذابا سوى تكذيبه بشيء آخر ، وربّ شئ كذّب به هو أعظم جرما من التكذيب بغيره فيقسم له من الويل على قدر ذلك التكذيب « 4 » وقد ذكر هذا الوعيد وهذا التخويف على المنهج الآتي : أولا : القسم بمخلوقات له صلة مباشرة بالخلق فيما يسرهم وفيما يسوؤهم ، قال تعالى : وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً ( 1 ) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً ( 2 ) وَالنَّاشِراتِ نَشْراً ( 3 ) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً ( 4 ) فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً ( 5 ) عُذْراً أَوْ نُذْراً ( 6 ) إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ ( 7 ) فالمرسلات على قول جمهور المفسرين هي الرياح ، والرياح من روح الله تعالى تأتى بالرحمة ، وتأتى بالعذاب . وقد جاء ذكر الرياح مع إرسالها في مثل قوله تعالى : وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [ الحجر : 22 ] ، وقوله جل شأنه : يُرْسِلُ الرِّياحَ [ النمل : 63 ] وغير ذلك وقيل عن المرسلات - أيضا - إنها الملائكة ترسل بأمر الله ونهيه ، وقيل : إنها تعنى الرسل لتبليغ

--> ( 1 ) القرطبي 19 / 153 ، وفتح القدير 5 / 355 . ( 2 ) أخرجه النحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس ، فتح القدير 5 / 355 . ( 3 ) انظر فتح الباري 8 / 685 باختلاف يسير في اللفظ ، حديث ( 4930 ) . ( 4 ) فتح القدير 5 / 357 .