محمد رأفت سعيد

235

تاريخ نزول القرآن الكريم

التَّراقِيَ ( 26 ) وَقِيلَ مَنْ راقٍ ( 27 ) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ ( 28 ) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ ( 29 ) . فكيف يكون حالها عندما تأتى إلى هذا المصير وهي مكذبة معرضة : فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى ( 31 ) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 32 ) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى ( 33 ) أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ( 34 ) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ( 35 ) فلا صدق بالرسالة ولا بالقرآن ولا صلى لربه . قال قتادة : فلا صدق بكتاب الله ولا صلى لله ، وقيل فلا آمن بقلبه ولا عمل ببدنه « 1 » ولكن كذب بالرسول وبما جاء به وتولى عن الطاعة والإيمان . وهذا الإنسان الذي كذب وتولى لم يكتف بهذا العمل السيئ بل تفاخر به ، وذهب إلى أهله يتبختر ويختال في مشيته افتخارا بذلك . قال الواحدي : قال المفسرون : أخذ رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بيد أبى جهل ، ثم قال : أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ( 35 ) فقال أبو جهل : بأي شئ تهددني لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا ، وإني لأعز أهل هذا الوادي ، فنزلت هذه الآية « 2 » . وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال : لما نزلت : عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ( 30 ) [ المدثر ] قال أبو جهل لقريش : ثكلتكم أمهاتكم يخبركم ابن أبي كبشة أن خزنة جهنم تسعة عشر وأنتم الدهم ، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم ، فأوحى الله إلى رسوله أن يأتي أبا جهل ، فيقول له : أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ( 34 ) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ( 35 ) « 3 » . ومعناه : الويل لك ، وقيل : ومعنى التكرير لهذا اللفظ أربع مرات : الويل لك حيا والويل لك ميتا ، والويل لك يوم البعث ، والويل لك يوم تدخل النار . وقيل المعنى : إن الذم لك أولى لك من تركه ، وقيل : المعنى أنت أولى وأجدر بهذا العذاب قاله ثعلب ، وقال الأصمعي : أولى في كلام العرب معناه مقاربة الهلاك « 4 » . ومما يتصل بيوم القيامة والنفس الإنسانية أن يدرك الإنسان أنه مع خلقه قد أرسل الرسول صلّى اللّه عليه وسلم بوحي الله له يأمره وينهاه وأنه سيحاسب أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ( 36 ) [ القيامة : 36 ] أي هملا لا يؤمر ولا ينهى ولا يحاسب ولا يعاقب . إن تأمل الإنسان في خلقته من نطفة ، وما مرّ به من أطوار يجعله مدركا لفضل الله

--> ( 1 ) فتح القدير 5 / 341 . ( 2 ) المرجع السابق 5 / 342 . ( 3 ) لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي ص 255 . ( 4 ) فتح القدير 5 / 341 ، 342 .