محمد رأفت سعيد
23
تاريخ نزول القرآن الكريم
النفث في الرّوع والنفث لغة : قذف الريق القليل ، وهو أقل من التفل ، كما ذكر الراغب في مفرداته ، ويرى الإمام البغوي أن النفث شبيه بالنفخ ، والروع : الخلد والنفس ، والمعنى هنا أن ملك الوحي - وهو الروح الأمين ، أو الروح القدس - يلقى المعنى من غير أن يراه ، ولنتأمل معنى من هذه المعاني التي جاءت عن مثل هذا الطريق ، وهذه المرتبة . قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إن روح القدس نفث في روعى أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها ، فاتقوا الله ، وأجملوا في الطلب ، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله ، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته » . وهذا حديث صحيح بشواهده ، أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث أبي أمامة ، وفي سنده عفير بن معدان وهو ضعيف وباقي رجاله ثقات ، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ، ونسبه للطبراني في الكبير وأعله بعفير بن معدان ، لكن له شاهد من حديث ابن مسعود عند الحاكم ، وآخر من حديث جابر عند ابن ماجة وابن حبان والحاكم كذلك ، وأبى نعيم في الحلية ، وله شاهد ثالث من حديث حذيفة عند البزار . فيصح الحديث بها « 1 » . وهذا المعنى الذي ألقى في روع النبي صلّى اللّه عليه وسلم من المعاني العظيمة التي توجه الإنسان وترشده في أخطر القضايا التي قد تزعجه وتقلقه ، والتي تقوم الصراعات الدموية حولها نتيجة الجهل بحقيقتها . إنها قضية الرزق وطلبه ، فجبريل عليه السّلام يلقى في قلب النبي صلّى اللّه عليه وسلم بهذه الحقيقة ، فالرزق مقسم ولا بدّ أن تصل إلى كل نفس قسمتها ، ولن تموت حتى توفى مالها من هذه القسمة ، فأما قسمة الرزق فقد جاء ذكرها صريحا في قول الله تعالى ردا على من زعم لنفسه جدارة التنزيل عليه - أو على عظيم آخر - على مقياس العظمة الذي تخيلوه في المال الكثير والجاه العريض ، حتى يخيل إليهم أن الإنسان لا يكون أهلا لأي مكرمة إلا على أساس حجم ما يملك من هذه ، ولو كانت هذه المكرمة وحيا من الله ، قال تعالى : وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ( 31 ) أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا
--> ( 1 ) زاد المعاد 1 / 79 .