محمد رأفت سعيد

222

تاريخ نزول القرآن الكريم

سورة « قريش » وهي مكية في قول الجمهور نزلت بعد سورة « التين » وأما في قول الضحاك والكلبي فمدنية « 1 » والسورة الكريمة تقرع آذان قريش بما منحوا من نعم تستوجب عبادتهم لربهم الذي منّ عليهم بها قال تعالى : لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ( 1 ) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ ( 2 ) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ ( 3 ) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ( 4 ) : فهل يليق مع هذه النعمة أن يعبدوا غيره ولذلك قيل في معنى اللام من لِإِيلافِ قُرَيْشٍ أنها لام التعجب كأن المعنى : اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف وتركهم عبادة ربّ هذا البيت . قاله الأعمش والكسائي . وقيل : إن معناها متصل بما بعدها ويكون المعنى : فليعبدوا ربّ هذا البيت لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف لأنهم كانوا في الرحلتين آمنين ، فإذا عرض لهم عارض قالوا : نحن أهل حرم الله فلا يتعرّض لهم . وقيل : إن المعنى متصل بما كان من أصحاب الفيل وإهلاك الله لهم لتبقى قريش وما قد ألفوا من رحلة الشتاء والصيف وهذا قول الفراء والجمهور . وعلى ذلك فإن السورة الكريمة تنبه هؤلاء الذين وقفوا من الدعوة موقفا متباينا ، فأما من آمن منهم فقد هدى إلى شكر هذه النعمة ، وأما من ظل على كفره وعناده وتكذيبه وتعذيبه للمؤمنين فقد غفل عن هذه النعمة التي خص الله بها أهل مكة . فقد جعل فيها أول بيت وضع للناس إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ( 96 ) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [ آل عمران ] . وجعل الله لهذا البيت حرمته ، وجعل مكة حراما لا يحل لأحد أن يفكر في إحداث أمر فظيع بها وإلا عاقبه الله بالعذاب الأليم ، قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ( 25 ) [ الحج ] أي من يهم فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار عامدا قاصدا أنه ظلم ليس بمتأوّل كما قال ابن جريج عن ابن عباس . حتى أن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال : لو أن رجلا أراد فيه بإلحاد بظلم وهو بعدن أبين لأذاقه الله من العذاب الأليم « 2 » . وقد عرف الناس من أهل مكة هذا ، وقد مرت بنا سورة الفيل لتذكّر

--> ( 1 ) القرطبي 20 / 200 ، وزاد المسير 9 / 238 . ( 2 ) ابن كثير 3 / 214 ، 215 .