محمد رأفت سعيد

220

تاريخ نزول القرآن الكريم

إن السورة الكريمة تنبه الإنسان إلى قيمة نفسه ، وما جعله الله عليه من تكريم ، ليعرف قدره وليحافظ على هذا التكريم بالمنهج الذي ذكرته السورة والذي فصل في السور السابقة واللاحقة من الإيمان الصحيح والعمل الصالح وما يتفرع عنهما ، فمنذ الآية الأولى في التنزيل : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) [ العلق ] والآيات القرآنية تعرف الإنسان بحقيقة نفسه ومقوّمات وجوده ، وكيف يسعد في مصيره وتفصيل القول في الجوانب المتعلقة بالإنسان حتى يصبح الإنسان عارفا بما ينبغي أن يعلم من أمر نفسه قال تعالى : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 21 ) [ الذاريات ] وقال تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [ فصلت : 53 ] وعلى ذلك فإن الإنسان كما جاء في كتاب الله تعالى : هو هذا المخلوق الذي خلقه الله بيده وهذا شرف للإنسان الأول أبى البشر آدم عليه السّلام بهذا التخصص في الخلق فقال الله تعالى : قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص : 75 ] وهذا تشريف وتكريم لمن استقام من ذريته . ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له ملائكته ، وجعله في أحسن تقويم ، وفي أجمل صورة ركّبه . وهو المخلوق المكلّف ، وهذا التكليف بنى على ما منح الله الإنسان من ملكات ، ومن القدرة على الاختيار وعلى المشيئة ، وهو الإنسان المسؤول عن عمله والمجزىّ به على الإحسان إحسانا ، وعلى الإساءة عقوبة ، وهو بهذا التكليف والوفاء به والقيام بواجب المسؤولية استحق الخلافة في الأرض والقيام بشئونها يوجّهه وحى الله وهديه وهو الإنسان المكرم والمفضل على كثير مما خلق الله ، قال تعالى : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا ( 70 ) [ الإسراء ] ولكنّ هذا التكريم - مرتبط بمدى استجابة الإنسان لوحى ربه وامتثاله لأمره ونهيه ، فإذا كان لله طائعا ظل في دائرة التكريم ، وإن أعرض وتولى خرج من التكريم إلى دوائر أخرى مهينة ، وقد خرج القرآن الكريم بذلك وأعطى نماذج تدل عليه ، ومن هذا قوله تعالى : وَالْعَصْرِ ( 1 ) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ( 2 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ( 3 ) [ العصر ] ومنها ما في هذه السورة الكريمة من قوله تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ( 4 ) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ( 5 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ( 6 ) .