محمد رأفت سعيد

217

تاريخ نزول القرآن الكريم

للملك : إنك لست بقاتلى حتى تفعل ما آمرك به فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني ، وإلا فإنك لا تستطيع قتلى ، قال : وما هو ؟ قال : تجمع الناس في صعيد واحد ثم تصلبني على جذع وتأخذ سهما من كنانتي ثم قل : باسم الله رب الغلام فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني . ففعل ووضع السهم في كبد قوسه ثم رماه وقال : باسم الله رب الغلام فوقع السهم في صدغه ، فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات فقال الناس : آمنا برب الغلام . فقيل للملك : أرأيت ما كنت تحذر ؟ فقد والله نزل بك . قد آمن الناس كلهم . فأمر بأفواه السكك فخدّت فيها الأخاديد ، وأحرقت فيها النيران ، وقال : من رجع عن دينه فدعوه ، وإلا فأقحموه فيها ، قال : فكانوا يتعادون فيها ويتدافعون فجاءت امرأة بابن لها ترضعه فكأنها تقاعست أن تقع في النار ، فقال الصبى : اصبرى يا أماه فإنك على الحق » . وهكذا رواه مسلم في آخر الصحيح عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة به نحوه . ورواه النسائي عن أحمد بن سلمان عن عثمان عن حماد بن سلمة ، ومن طريق حماد بن زيد كلاهما عن ثابت به واختصروا أوله ، وقد جوّده الإمام أبو عيسى الترمذي فرواه في تفسير هذه السورة « 1 » . ومع ما حدث للمؤمنين من أصحاب الأخدود ، وأن ذنبهم الذي عوقبوا به هو إيمانهم بالله سبحانه . ولكي يكون من التوجيه القرآني الكريم ما يحذر الكافرين من الاستمرار في تعذيب المؤمنين من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ولكي يطمئن المؤمنون كذلك تذكر السورة الكريمة تعقيبها على ما حدث لهؤلاء المؤمنين السابقين . أن الذي آمن به المؤمنون سبحانه عزيز غالب منيع له العزة التي قهر بها كل شئ ، وهو الحميد في صفاته وكلامه وأفعاله والمحمود في كل حال فهل أمن هؤلاء الكافرون المعذّبون للمؤمنين أن يأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر ؟ وهل هؤلاء المؤمنون الذين عذّبوهم قد تجاوزوا الحق وقد آمنوا بالمحمود في كل حال ، والذي له ملك السماوات والأرض ، والذي يعلم أعمال خلقه ولا تخفى عليه خافية ، إن هؤلاء المعذّبين للمؤمنين والمؤمنات إن لم يتوبوا من قبيح صنيعهم فإن الجبار جل جلاله سيعاقبهم بجنس صنيعهم حيث يحرّقون ويكونون وقودا لجهنم مع انتقامه منهم في الحياة الدنيا ، وأما المؤمنون الصالحون فإنهم فائزون بإيمانهم وصلاحهم ، ما هي إلا لحظات يسيرة حين يحرقون بنار الكافرين ، ليجدوا ما أعدّ

--> ( 1 ) ابن كثير 4 / 493 ، 494 .