محمد رأفت سعيد
204
تاريخ نزول القرآن الكريم
فكان الموقف الذي عالجته سورة عبس في آياتها الأولى في وضوح لدى المؤمنين ولدى المعرضين فهذا الموقف الاجتماعي يخص الفريقين . وظل هذا الغرس للقيمة الجديدة يجد غذاءه في الآيات القرآنية الكريمة بعد ذلك ، وفي توجيهات الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وفي الممارسات العملية التي نتناول بعضا منها إن شاء الله . ومما تضمنته سورة « عبس » من الجوانب التربوية والمعاني الكريمة إبراز الجانب التربوي في موقف الرسول صلّى اللّه عليه وسلم من ابن أم مكتوم رضي اللّه عنه أثناء دعوة جماعة من المشركين وهذا الجانب التربوي الذي أبرزه المفسرون في تناولهم للسورة الكريمة والذي ركزنا عليه حتى لا يغيب في جوّ العتاب والتربية الجديدة في الموقف والتي تعلى الإنسان بتقواه وليس بماله وجاهه وعصبيته . ظل هذا المعنى مرعيا فيما يتنزل من قرآن كريم وما يقدمه الرسول الكريم من توجيهاته ومواقفه العملية التي يذيب فيها ما اعتاده الناس من قيم جاهلية ؛ فساوى صلّى اللّه عليه وسلم بين أصحابه ولم يقدم أحدا إلا بالمقياس الجديد . فآخى بين المهاجرين والأنصار عندما قدم المدينة فجعل عمه حمزة ومولاه زيد بن حارثة رضي اللّه عنهما أخوين ، وجعل خالد بن رويحة الخثعمي وبلال بن رباح أخوين . وزوّج صلّى اللّه عليه وسلم بنت خالته زينب بنت جحش الأسدية لمولاه زيد بن حارثة . كما بعث زيد بن حارثة أميرا في غزوة مؤتة وجعله الأمير الأول ويليه في الإمارة جعفر بن أبي طالب ، ثم عبد الله بن رواحة الأنصاري ، على ثلاثة آلاف من المهاجرين والأنصار فيهم خالد بن الوليد رضي اللّه عنهما . وفي آخر العمر المبارك للنبي صلّى اللّه عليه وسلم أمّر أسامة بن زيد على جيش لغزو الروم يضم عددا كبيرا من المهاجرين والأنصار فيهم وزيراه أبو بكر وعمر رضي اللّه عنهما وفيهم سعد بن أبي وقاص وله قرابته وسبقه إلى الإسلام رضي اللّه عنه . ولما طعن بعض الناس في إمارة أسامة لحداثته كان جواب النبي صلّى اللّه عليه وسلم فيما حكاه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما بقوله : بعث رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بعثا أمّر عليهم أسامة بن زيد رضي اللّه عنهما فطعن بعض الناس في إمارته ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل . وأيم الله إن كان لخليقا للإمارة ، وإن كان لمن أحب الناس إلىّ . وإن هذا لمن أحب الناس إلىّ » « 1 » . وهو الذي قال عن سلمان الفارسي : « سلمان منا أهل البيت » « 2 » تحطيما للعصبية
--> ( 1 ) أخرجه الشيخان والترمذي ، وانظر : الظلال 8 / 462 وما بعدها . ( 2 ) أخرجه الطبراني والحاكم .