محمد رأفت سعيد

196

تاريخ نزول القرآن الكريم

وأن مسيرة الوحي لا شك فيها ولا شبهة « 1 » . وأنه لا يحق لأحد أن يشك في ذلك . المسألة الثانية في السورة الكريمة : التأكيد على طريق المعرفة الغيبية التي خص الله بها رسوله صلّى اللّه عليه وسلم فيما يغيب عن الناس علمه ، ولا سبيل إلى معرفته إلا عن طريق إخبار الله لرسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، وقد ذكرت السورة نماذج من ذلك يتضافر فيها علم الغيب مع ما يشاهد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فجبريل عليه السّلام الذي رآه بالأفق الأعلى رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى . ومعرفته بما يخبره الله من الغيب يقينية كالمشاهدة تماما . فالذي يحمل الوحي إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يجمع بين صفتي الأمانة والقوة فهو أمين لا يخون ولا يغير ولا يبدل وقوي لا يجرؤ أحد من استلاب شئ منه عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ( 5 ) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى ( 6 ) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى ( 7 ) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى ( 8 ) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ( 9 ) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ( 10 ) وبهذا ينتفى الشك ويتأكد الاطمئنان ويثبت اليقين . وجبريل عليه السّلام الذي رآه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم على صورته وسمع صوته ، في غار حراء قد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى ، وهنا تعرض السورة مسألة أخرى ينبغي أن يحيط الناس علما بها وهي أن ما يتعلق بالغيب الذي لا يشاهدونه ، فلا سبيل لهم إلى معرفته إلا عن طريق رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فالله سبحانه يطلعه على ما شاء ، ويريه من آياته ما يشاء ، وقد عرفوا صدقه هو - أيضا - وأمانته فينبغي أن تفتح له العقول والقلوب ؛ لتستقى منه علوم الغيب التي يطلعه الله عليها ويخبره بها . وذكر المرة الثانية التي رأى فيها رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم جبريل عليه السّلام في قوله تعالى : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ( 13 ) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى ( 14 ) ترجح ما ذكره جماعة من العلماء من أن الإسراء والمعراج كان قبل الهجرة بأعوام لأن الآيات الكريمة - هنا - تذكر رؤية النبي صلّى اللّه عليه وسلم لجبريل عليه السّلام نزلة أخرى عند سدرة المنتهى أي أنه قد وقع ، وتأتى سورة الإسراء بعد ذلك بعد ست وعشرين سورة كريمة لتذكرنا بالإسراء ، وسورة الإسراء مكية إلا بعض الآيات وسنذكرها - إن شاء الله - في حينها - وقد حكى القرطبي الاختلاف في تاريخ الإسراء فقال : وقد اختلف العلماء في ذلك - أيضا - واختلف في ذلك على ابن

--> ( 1 ) تفسير السعدي 7 / 205 .