محمد رأفت سعيد
186
تاريخ نزول القرآن الكريم
والألوهية . فهو رب كل شئ ومليكه وإلهه فجميع الأشياء مخلوقة له مملوكة عبيد له . فما صلة الموسوسين مع من لجأ إلى الرب الملك الإله سبحانه ؟ ولذلك فإن الوسواس خنّاسا إذا ذكر العبد ربه واستعان به على دفعه ، خنس أي تأخر عن الوسوسة وانصرف . ففي المعوذتين ما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون من الحذر تجاه شياطين الإنس والجن ، وأن الملجأ إلى الله وحده فهو الذي ينجى من شرورهم ، وهذا التنبيه القرآنىّ الكريم في المعوّذتين يدل على الصيانة والحماية المبكرة للمؤمنين حتى يبقى نموّهم صحيحا لا تؤثر فيه العداوات المريضة فأما عداوة الجن فعداوة تاريخية تبدأ بآدم عليه السّلام وتفصّل هذه العداوة بعد ذلك يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ [ الأعراف : 27 ] ويقرر القرآن الكريم بعد ذلك أيضا هذه العداوة ويؤكدها حتى لا يبقى أحد من بني آدم في شك منها قال تعالى : إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ ( 6 ) [ فاطر ] وهذه العداوة تأخذ مظاهر شتى من الشيطان من القعود في الصراط المستقيم لينحرف الناس عنه لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ( 16 ) [ الأعراف ] وكذلك الاحتيال للدخول إلى الإنسان من كل اتجاه وبذل كل حيلة للوقيعة بين آدم . والتعامل مع كل إنسان بما يناسبه فالعابد له أسلوبه ، والزاهد له أسلوبه والعالم له أسلوبه وهكذا وغاية الشيطان من هذا واحدة وهي صرف بني آدم عن الصراط المستقيم الذي يؤدى بهم إلى الجنة لينحرفوا إلى طريق الشيطان الذي يصل بأتباعه إلى السعير . ويبدأ في وسوسته للإنسان بالقضية الكبرى في حياته وهي قضية الإيمان فالإيمان يؤدى إلى الجنة « لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا » . . . والكفر يؤدى إلى النار . ولذلك فإن الشيطان شديد الحرص على تزيين الكفر والتشكيك في العقيدة ولا يمل من ذلك للوقيعة بالإنسان وإدخاله في الإلحاد والكفر ولكن من فضل الله على المؤمنين أن يوجههم من اللحظات الأولى إلى طلب الحماية واللجوء إليه فهو الذي يعصم من هذه الوسوسة وذكره يطرد الشيطان . ولا يكون للشيطان بهذا تأثير . فإنه مع حرصه الشديد لم يجعل الله له قوة التنفيذ بل ردّ كيده إلى هذه الوسوسة وهذا التزيين فحسب . روى الإمام أحمد رحمه الله حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إني لأحدّث نفسي بالشئ لأن أخرّ من السماء