محمد رأفت سعيد

176

تاريخ نزول القرآن الكريم

سورة « الكافرون » بعد سورة « الماعون » التي نبهت إلى صفات من يكذب بالدين ، وتنزل سورة « الكافرون » لتعلن في صورة حاسمة البراءة من عمل الكافرين الذين اتخذوا من دون الله أندادا ، ولتأمر بالإخلاص لله وحده فلا إله إلا هو ، ولتحسم الأمر في المساومة التي حاولها المشركون مع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بعد فشلهم في الفتنة البدنية والمالية ، وفي السخرية والاستهزاء ، وفي محاولات التشويه لشخصية النبي صلّى اللّه عليه وسلم والطعن في مضمون دعوته . فلجأ المشركون بعد هذا الفشل إلى أسلوب المساومة على المبادئ ، وإذا ساغ لهم هذا باعتبار أنهم ليسوا على شئ ، وليسوا على مبدأ يقيني ، فإنه لا يجد قبولا لدى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، ولدى أصحابه ، فقد استقرت عقيدة التوحيد في القلوب واطمأنت بها فلا تقبل تحويرا ولا تبديلا ولا شركا ، فقد روى أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم كان يطوف بالكعبة فاعترضه الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى ، والوليد بن المغيرة ، وأمية بن خلف ، والعاص بن وائل السهمي ، وكانوا ذوى أسنان في قومهم ، فقالوا : « يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد ، وتعبد ما نعبد ، فنشترك نحن وأنت في الأمر ، فإن كان الذي تعبد خيرا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه ، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه » « 1 » . فهذا العرض وتلك المساومة ، تدل على أنهم ليسوا على شيء ، وكان الجواب الذي لا جواب سواه رفضه هذه المساومة وينزل في ذلك قول الله تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلم : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ( 1 ) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ( 2 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 3 ) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ ( 4 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 5 ) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ( 6 ) . ويقول ابن كثير في تفسيره : هذه السورة سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون وهي أمره بالإخلاص فيه فقوله تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ( 1 ) يشمل كل كافر على وجه الأرض ، ولكن المواجهون بهذا الخطاب هم كفار قريش ، وقيل إنهم من جهلهم دعوا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم إلى عبادة أوثانهم سنة ، ويعبدون معبوده

--> ( 1 ) السيرة لابن هشام 2 / 388 .