محمد رأفت سعيد
168
تاريخ نزول القرآن الكريم
أظهرنا في المسجد إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما قلنا : ما أضحكك يا رسول الله ؟ . قال : « لقد أنزلت علىّ آنفا سورة » فقرأ : بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ( 1 ) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ( 2 ) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ » ، ثم قال : « أتدرون ما الكوثر ؟ » ، قلنا : الله ورسوله أعلم ، قال : « فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم في السماء فيختلج العبد منهم فأقول ربّ إنه من أمتي ، فيقول : إنك لا تدرى ما أحدث بعدك » « 1 » . وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم في هذه الرواية : « إنه أنزلت علىّ آنفا سورة » يرجّح قول من ذكر أنها مكيّة ، وأنه تكرر حال « 2 » نزولها لما فيها من تأكيد العطاء الكثير والخير الوفير من الله لرسوله صلّى اللّه عليه وسلم تدعيما له في مواجهة عداوة قومه وسبّهم له وعنادهم . روى البخاري رحمه الله بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في الكوثر : هو الخير الذي أعطاه الله إياه ، قال أبو بشر : قلت لسعيد بن جبير : فإن ناسا يزعمون أنه نهر في الجنة ، فقال سعيد : النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه ، وقال الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - أيضا - قال : الكوثر : الخير الكثير ، وهذا التفسير يعم النهر وغيره لأن الكوثر من الكثرة وهو الخير الكثير ومن ذلك النهر ، وقال مجاهد : هو الخير الكثير في الدنيا والآخرة ، وقال عكرمة : هو النبوة والقرآن وثواب الآخرة ، وقد صح عن ابن عباس أنه فسّره بالنهر - أيضا - فروى ابن جرير بسنده عن ابن عباس قال : الكوثر نهر في الجنة حافتاه ذهب وفضة ، يجرى على الياقوت والدر ، ماؤه أبيض من الثلج ، وأحلى من العسل . كما روى ابن جرير بسنده عن ابن عمر أنه قال : الكوثر نهر في الجنة حافتاه ذهب وفضة يجرى على الدر والياقوت ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل . وكذا رواه الترمذي بسنده عن ابن السائب موقوفا ، وقد روى مرفوعا فقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن حفص حدثنا ورقاء قال : وقال عطاء عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ، والماء يجرى على اللؤلؤ ، وماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل » وهكذا رواه الترمذي وابن ماجة وابن أبي حاتم وابن جرير من طريق محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب
--> ( 1 ) ابن كثير 4 / 556 . ( 2 ) انظر : قول الإمام الرافعي في توجيه ذلك - الإتقان 1 / 31 .