محمد رأفت سعيد

134

تاريخ نزول القرآن الكريم

فنيت ومحيت ، وكل ذلك جاء في معنى كُوِّرَتْ وتؤدى إلى معنى ذهاب هذه النعمة والوقوع في الظلمة وعدم الانتفاع بتسخير الله للشمس وقت النهار . وإظلامها دليل قدرة ودليل ذهاب نعمة نهارية . وإذا النجوم التي يهتدى بها في ظلمات البر والبحر تناثرت وتهافتت ، وتناثرها دليل قدرة وكذلك ذهاب نعمة ليلية . وإذا الجبال الرواسي الشامخة سيرت عن وجه الأرض فاستوت مع الأرض ، وهذا دليل قدرة وقوة ، وذهاب نعمة ثبات الأرض التي أرسيت بالجبال ، وإذا النواق الحوامل الْعِشارُ والتي يتعلق الناس بها للخير الذي أودعه الله فيها فهي أنفس مال العرب عندهم ، لم تجد اهتمام الناس بها فسيبت وأهملت لاشتغال الناس بأهوال القيامة . وإذا الوحوش ماتت - على قول ابن عباس - أو جمعت إلى القيامة للقصاص فهي مع توحشها لا تفلت ، وإذا البحار سُجِّرَتْ فاشتعلت نارا ، أو يبست أو ملئت بأن صارت بحرا واحدا وكثر ماؤها . وإذا النفوس قرنت بأشكالها الصالح مع الصالح والفاجر مع الفاجر ، أو ردت الأرواح إلى الأحياء فزوجت بها ، أو زوجت أنفس المؤمنين بالحور العين ، وأنفس الكافرين بالشياطين . وإذا البنت التي دفنت وهي حية وكان هذا من فعلهم في الجاهلية ، وفي سؤالها تبكيت لقاتليها في القيامة ، لأن جوابها قتلت بغير ذنب وهذا دليل قسوة قلبية أن تقوم الأم وهي أحن الناس على ولدها بهذا الصنيع ، فيقول ابن عباس رضي اللّه عنهما : كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت ، فكان أوان ولادها حفرت حفرة فمخضت على رأس الحفيرة ، فإن ولدت جارية رمت بها في الحفيرة ، وإن ولدت غلاما حبسته « 1 » . وإذا الصحف نشرت أي صحائف أعمال بني آدم تنشر للحساب ، وإذا السماء نزعت فطويت أو قلعت كما يقلع السقف ، وإذا الجحيم أو قدت مرة ، بعد مرة وإذا الجنة قربت من المتقين ، وإذا حدثت هذه الأشياء التي تتعلق بآيات كونية تتبدل إلى ما يهول ويعظم ، وتتعلق بنعم لا غنى للإنسان عنها حوله وفي بيته وفي مطعمه ومشربه ، ومنها ما يتصل بسلوكه وحسه وعمله ، ومنها ما يتصل بمصيره ، وكما ذكر ابن عباس رضي اللّه عنهما من أول السورة إلى هاهنا اثنتي عشرة خصلة : ستة في الدنيا ، وستة في الآخرة ، إذا حدثت هذه علمت نفس ما أحضرت ، أي علمت في ذلك الوقت كل نفس

--> ( 1 ) زاد المسير 9 / 40 .