محمد رأفت سعيد

131

تاريخ نزول القرآن الكريم

الله شيئا سلوني من مالي ما شئتم » انفرد به مسلم . ويذكر الإمام ابن كثير مجموعة الروايات الأخرى في تفسيره . فهذه الآية الكريمة إذن يأتي ترتيب نزولها قبل سورة المسد ، وإذا كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم قد أمر قبل ذلك في سورة المدثر بقوله تعالى : قُمْ فَأَنْذِرْ ( 2 ) [ المدثر ] فإن الأمر هنا موجه إلى العشيرة الأقربين ، ولا يفهم من هذا ما فهمه المغرضون من أن الدعوة إذن خاصة بالأقربين وليست عامة ، وهذا فهم ترده النصوص الصريحة من كتاب الله تعالى ، ومن سنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، ومن واقع الدعوة ، فالآيات الكريمة تصرح بأن الرسول الكريم أرسل للناس كافة بشيرا ونذيرا ، وأنه أرسل رحمة للعالمين وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ( 107 ) [ الأنبياء ] فهو بتصريح الآيات الكريمة أرسل للناس أجمعين ويذكر رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم هذا المعنى في أن كل نبي كان يرسل إلى قومه خاصة وبعث إلى الناس عامة وإلى كل أحمر وأسود . وأما واقع الدعوة فإن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم خاطب الناس جميعا وأرسل رسله وكتبه إلى ملوك الأرض دون تفريق وشاء الله أن يشتهر من صحابته - رضوان الله عليهم - من ينتمون إلى غير العرب فبلال مؤذنه - رضوان الله عليه - حبشي ، وصهيب الذي ربح في بيعه روميّ ، وسلمان الذي قربه رسول صلّى اللّه عليه وسلم فارسي ، وهكذا يكون الفهم لهذه الآية الكريمة مع الآيات الكريمة الأخرى ؛ أنها تبين مراحل الدعوة واتساعها الطبيعي ، فيبدأ الرسول صلّى اللّه عليه وسلم بدعوة زوجته أم المؤمنين خديجة رضي اللّه عنها ويدعو صديقه أبا بكر وأهل البيت والعشيرة الأقربين وأهل مكة أم القرى ، ثم من حولها ، ثم ترسل الكتب إلى الأمم جميعا ، وهكذا فهم أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم وواصلوا مسيرة الدعوة بعد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم . وأشار الإمام ابن كثير - رحمه الله - إلى هذا عند تفسيره لهذه الآية الكريمة فيقول : وهذه النذارة الخاصة لا تنافى العامة بل هي فرد من أجزائها كما قال تعالى : لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ ( 6 ) [ يس ] ، وقال تعالى : لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها [ الشورى : 7 ] ، وقال تعالى : وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ [ الأنعام : 51 ] ، وقال تعالى : لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا ( 97 ) [ مريم ] وقال تعالى : لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [ الأنعام : 19 ] كما قال تعالى : وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [ هود : 17 ] ، وفي صحيح مسلم : « والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار » « 1 » .

--> ( 1 ) ابن كثير 3 / 349 .