محمد رأفت سعيد
125
تاريخ نزول القرآن الكريم
وروى مسلم أيضا عن أنس بن مالك قال : صليت خلف النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأبى بكر وعمر فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين ، لا يذكرون « بسم الله الرحمن الرحيم » لا في أول قراءة ولا في آخرها . يقول القرطبي : ثم إن مذهبنا يترجح في ذلك بوجه عظيم ، وهو المعقول وذلك أن مسجد النبي صلّى اللّه عليه وسلم بالمدينة انقضت عليه العصور ، ومرت عليه الأزمنة والدهور ، من لدن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم إلى زمان مالك ، ولم يقرأ أحد فيه قط : « بسم الله الرحمن الرحيم » اتباعا للسنة ، وهذا يرد أحاديثكم . بيد أن أصحابنا استحبوا قراءتها في النفل ، وعليه تحمل الآثار الواردة في قراءتها ، أو على السنة في ذلك . قال مالك : ولا بأس أن يقرأ بها في النافلة ، ومن يعرض القرآن الكريم عرضا . هذه مجموعة الأقوال في البسملة ومنها يتضح لنا أنه لا خلاف بين العلماء في أن « بسم الله الرحمن الرحيم » من القرآن الكريم كما جاء في قوله تعالى من سورة النمل : إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 30 ) [ النمل ] فهي جزء من آية . وإنما الخلاف في هل هي آية من سورة الفاتحة ، ومن أوائل السور غير براءة أي أن الاختلاف ليس في كونها قرآنا ، ولكنه في تكرر قرآنيتها ، والله الهادي إلى سواء السبيل . لقد تناولنا في الأجزاء السابقة . ما يتصل بنزول الفاتحة وما يتعلق بآياتها ، ونتناول الآن ترتيب ما تضمنته من المعاني حسب النزول ، لقد جاءت معاني سورة الفاتحة جامعة حتى عدت السورة ولقبت بأم الكتاب ، وكان نزولها بعد السور السابقة ، وما تضمنته من توجيه الخلق إلى الله والقراءة باسمه والعمل له وتدبر آياته ، وأن المصير إليه ، وما تضمنت من تدعيم للمؤمنين ، والشد من أزرهم بدءا برسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، وبيان حال الطوائف المعادية من المشركين وغيرهم ، والتفصيل في وجوه الإنذار ، وكل هذه المعاني جعلت حركة الدعوة تزداد قوة ونشاطا وظهورا كما ازداد عدد المؤمنين ، وأصبح لهم كيان بشرى ملموس أي صاروا جماعة تتكون من الرسول صلّى اللّه عليه وسلم والذين معه من المؤمنين والمؤمنات ، وكان نزول الفاتحة لتعليم المؤمنين وتوجيههم إلى أصول عامة وقواعد كلية في علاقتهم بربهم ، وفي علاقتهم فيما بينهم ، وفي سلوكهم ، وفي الحذر مما يضرهم ،