محمد رأفت سعيد
123
تاريخ نزول القرآن الكريم
وأما حجة الشافعي في أنها آية من سورة الفاتحة ففيما رواه الدارقطني من حديث أبي بكر الحنفي عن عبد الحميد بن صفر عن نوح بن أبي بلال عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إذا قرأتم الحمد لله رب العالمين » فاقرءوا : « بسم الله الرحمن الرحيم » إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم أحد آياتها » . رفع هذا الحديث عبد الحميد بن جعفر ، وعبد الحميد هذا وثّقه أحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد ويحيى بن معين وأبو حاتم يقول فيه : محله الصدق ، وكان سفيان الثوري مضيفه ويحمل عليه ونوح بن أبي بلال ثقة مشهور . لقد ذكرنا في الجزء السابق بعضا من أقوال العلماء في اعتبار البسملة من آيات سورة الفاتحة ، ونكمل القول في ذلك مع ذكر الأدلة . فأما قول مالك : بأنها ليست من الفاتحة ولا غيرها ، فإن القرطبي يصحح هذا القول ، ويذكر أن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد وإنما طريقه التواتر القطعي الذي لا يختلف فيه . والأخبار الصحاح التي لا مطعن فيها دالة على أن البسملة ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها إلا في النمل وحدها ، ويعنى بذلك قوله تعالى : إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 30 ) [ النمل ] ويورد القرطبي على ذلك الأدلة الآتية : ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « قال الله عز وجل : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل ، فإذا قال العبد : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) ، قال الله تعالى : حمدني عبدي ، وإذا قال العبد : الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 3 ) قال الله تعالى أثنى علىّ عبدي ، وإذا قال العبد : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 ) قال : مجدنى عبدي - وقال مرة : فوض إلىّ عبدي - فإذا قال : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) قال : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، فإذا قال : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ( 7 ) قال : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل » . فقوله سبحانه : « قسمت الصلاة » يريد الفاتحة ، وسماها الصلاة لأن الصلاة ؛ لا تصح إلا بها ، فجعل الثلاث الآيات الأولى لنفسه ، واختص بها تبارك اسمه ، ولم يختلف المسلمون فيها . ثم الآية الرابعة جعلها بينه وبين عبده ؛ لأنها تضمنت تذلل العبد وطلب الاستعانة