محمد رأفت سعيد

110

تاريخ نزول القرآن الكريم

كالإنذار بسقر وما فيها ، والإنذار بأصحابها فإن الله تعالى جعل في هذا الإنذار آية اختبار فيما يتعلق بعدة أصحاب النار من الملائكة ، فإن المنتسبين إلى التوراة والإنجيل سيجدون أن عدة خزنة جهنم موافقة لما عندهم ، ويكون ذلك مدخلا لليقين إن كانوا أهلا لتقبل الحق والتسليم له ، وأما المؤمنون المصدقون فيزدادون بهذا إيمانا ، لأنهم يؤمنون بالغيب ، وكل اخبار جديد في آية منزلة تزيدهم إيمانا وتزيدهم معرفة يقينية بعالم الغيب ، وأما الذين في قلوبهم مرض من شك وارتياب ، وهذا كان الحال في الفترة المكية وفي بدايات التنزيل وذلك ما جعل الحسن بن الفضل يقول : السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق ، فالمرض في هذه الآية الخلاف « 1 » ، ولكن أكثر المفسرين يذهبون إلى القول : بأن الذين في قلوبهم مرض هم الذين في صدورهم شك ونفاق من منافقى أهل المدينة الذين ينجمون في مستقبل الزمان بعد الهجرة - سيقول هذا الفريق المريض : ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا أي ما ذا أراد بهذا العدد الذي ذكر عن خزنة جهنم ، وهذا موقف المرضى أمام التنزيل ، فهم لا يريدون العمل به فيكثرون من التساؤلات والتشكيك ويضيعون الوقت في ذلك بدلا من التلبية والإذعان والعمل ، ولقد جمع الله - سبحانه وتعالى - بين الذين في قلوبهم مرض ، وطائفة الكافرين في هذا التساؤل لا تحادهم في الهدف واتحادهم من حيث نفوسهم مع خطورة إخفاء المنافقين لحالهم وإظهارهم الإسلام . وعلى ذلك تكون هذه السورة الكريمة قد نبهت إلى طوائف التحدي لهذا الدين من وقت مبكر ليكون الرسول الكريم والذين معه على بينة من أمرهم فيتعرفون على أساليب الطوائف التي ظهرت ، والطوائف التي ستظهر بعد ذلك . ولا يعلمها إلا الله : كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ ( 31 ) وبهذا يعطى القرآن الكريم عظته مع بيان حال الناس منها وقت التنزيل ، وتبقى الآيات وما ذكر منها من المعاني ذكرى للبشر ، ليحسنوا التعامل معها إيمانا وتصديقا وامتثالا وعملا بمقتضى هذه العظة ، ولا يكونوا كالذين حرموا من الانتفاع بهذه الآيات . فالقرآن الكريم للأجيال كلها إلى يوم القيامة ، وما يذكره من وجوه الإنذار يخاطب به الناس إلى يوم القيامة . فبعد هذا الذكر لهذا الإخبار عن أمر غيب ، تأتى الآيات الكريمة لتؤكد الإنذار بما شاهده الناس من آيات كونية يقسم الله بها إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ ( 35 ) نَذِيراً لِلْبَشَرِ ( 36 ) أي أن هذه النار لإحدى الكبر الدواهي وتكذيبهم لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وما جاء به من الوحي لكبيرة من الكبائر الخطيرة التي تهلك الإنسان في حياته الدنيا والآخرة .

--> ( 1 ) حكى هذا القرطبي 19 / 80 .