محمد رأفت سعيد
108
تاريخ نزول القرآن الكريم
إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ( 25 ) . وهذا الوصف الدقيق له دلالات متعددة ، إنه وصف لهذا العناد الذي أعمل فيه الوليد فكره ، وخالط هذا الفكر نفسه ، وخرج هذا في سلوكه ، في فطرته ، في عيونه ، في سواد وجهه حقدا وغيظا ، في حركته إدبارا ، واستكبارا ، في قوله وإشاعاته وحكمه الباطل على الحق بما ليس فيه . إنه فكر وقدر يعنى : في شأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم والقرآن الذي استمع إليه ونطق لسانه بما عرف فقال : « والله لقد سمعت منه كلاما ما هو من كلام الإنس ، ولا من كلام الجن ، وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق ، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه ، وما يقول هذا بشر » « 1 » ، وفكّر في موقف زعماء المشركين منه ، ومكانته فيهم فلم تنفعه هذه المعرفة لما سمع ، وغلبه هواه وغلبته عصبيته ، واستكباره فيهم فهيأ الكلام في نفسه ، والعرب تقول : قدّرت الشيء إذا هيأته : فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ( 19 ) أي لعن على أي حال قدر ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ( 20 ) إنه لأمر مهول أن يغالط الإنسان نفسه ، فيعرف أمرا على وجهه الصحيح ثم يهيئ في نفسه ما يخالف هذا الأمر ، لعن لعنا بعد لعن كيف يكون هذا حاله ؟ وبدأ أثر التفكير والتقدير يظهر في نظراته الحسية غيظا ، وفي نظره المعنوي بأي شئ يرد هذا الحق ويدفعه ، ويظهر في عبوسه في وجوه المؤمنين عندما دعوه إلى الإسلام ، ويظهر كذلك في كلاحة وجهه وتغير لونه ، ويظهر كذلك في إدباره وإعراضه وذهابه إلى جانب أهله المشركين ، وفي استكباره أن يؤمن ويصير مع المؤمنين . ولكن ما ذا يقول في الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وفي القرآن الكريم الذي عبر عنه التعبير السابق ولامه عليه المشركون ، فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ( 24 ) إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ( 25 ) لقد كذب الوليد وكذب نفسه في الوصفين ، فقد رد على الناس وصفهم للرسول صلّى اللّه عليه وسلم بأنه ساحر ، وقال كذلك بعد سماعه القرآن الكريم : وما يقول هذا بشر . ولقد أراد بهذا تشويه شخصية النبي صلّى اللّه عليه وسلم عندما لا يعرفه من القادمين إلى مكة ، وأراد أن يقول لهم : إن من يتبعه ليس عن اقتناع منه بل نتيجة سحره ، وبهذا يكون قد طعن في القرآن الكريم - أيضا - ولذلك استحق لعنا بعد لعن : فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ( 19 ) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ( 20 ) . ومن وجوه الإنذار التي أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم أن يبلغها الناس في سورة « المدثر » والتي
--> ( 1 ) القرطبي 19 / 74 .