محمد رأفت سعيد
105
تاريخ نزول القرآن الكريم
نفسك ، إنما عملك منّة من الله عليك إذ جعل الله لك سبيلا إلى عبادته . كما أنه لا ينبغي للنفس أن تمن على الله بالعمل فتستكثره ، وإذا قامت النفس بعمل جليل فليكن تعلقها في طلب الأجر والثواب من الله وليس من الناس . هذه المعاني وغيرها قيلت في بيان هذه الآية الكريمة ، وأظهرها ما قاله ابن عباس رضي اللّه عنهما : لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت من المال ، يقال : مننت فلانا كذا ، أي أعطيته ، ويقال للعطية : المنة ، فكأنه أمر بأن تكون عطاياه لله ، لا ارتقاب ثواب من الخلق عليها ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام ما كان يجمع الدنيا ، ولهذا قال : « ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم » ، وكان ما يفضل من نفقة عياله مصروفا إلى مصالح المسلمين ، ولهذا لم يورث ؛ لأنه كان لا يملك لنفسه الادخار والاقتناء وقد عصمه الله تعالى عن الرغبة في شئ من الدنيا ، ولذلك حرمت عليه الصدقة وأبيحت له الهدية فكان يقبلها ، ويثيب عليها . وقال : « لو دعيت إلى كراع لأجبت ( والكراع مسترق الساق من الرجل ) ولو أهدى إلىّ ذراع لقبلت » . والنفس تقوى بهذا التوجيه الكريم ، لأنها سترى المنة في كل شئ لله سبحانه فلن يكون العمل إلا له ، ولن يكون التعلق إلا به ، ولن يكون الطمع إلا في رحمته وثوابه ، ولن تستكثر شيئا من الأعمال التي ترضيه ، فلو أطاع ابن آدم ربه العمر كله من غير فتور لما بلغ لنعم الله بعض الشكر . ثم نجد التوجيه الكريم المتكرر في بناء النفس ، والذي وجدناه في السور السابقة وهو الأمر بالصبر لله وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ( 7 ) أي ولسيدك ومالكك فاصبر على أداء رسالته وعلى حسن عبادته ، وعلى ما أوذيت في سبيله ، وعلى ما حملت من أمر عظيم ، وعلى مواجهة التحديات الخطيرة من قبل المشركين ، وعلى موارد القضاء ، وعلى البلوى ، وعلى الأوامر والنواهي ، وعلى فراق الأهل والأوطان . وكل ذلك كان يتعرض له المؤمنون في تلك الفترة . فهذه مجموعة من المدعمات في أول سورة المدثر تتبع ببيان ما ينبغي أن يحسب الناس له حسابا من اليوم العسير على الكافرين : فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ( 8 ) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ( 9 ) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ( 10 ) وعلى ذلك تعطى الآيات لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم مادة الإنذار باليوم الآخر ثم تقديم الإنذار في عرض نموذج لرجل من الكافرين خص بكفر النعمة ، وإيذاء الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وكان يسمى بالوحيد في قومه .