أبي حيان التوحيدي

30

الإمتاع والمؤانسة

أبي سليمان المنطقي ، فيسأله الوزير عنهم وعن رأيه فيهم ، وهكذا ، يستطرد من باب لباب ، حتى إذا انتهى المجلس كان الوزير يسأله غالبا أن يأتيه بطرفة من الطرائف يسميها غالبا : « ملحة الوداع » فيقول الوزير - مثلا - : إن الليل قد دنا من فجره ، هات ملحة الوداع . وهذه الملحة تكون - عادة - نادرة لطيفة أو أبياتا رقيقة ، وأحيانا يقترح الوزير أن تكون ملحة الوداع شعرا بدويا يشم منه رائحة الشيح والقيصوم وهكذا . وأحيانا يكلفه الوزير أن يتم له المسألة المعروضة في رسالة ، فقد سأله مرة عن المصادر التي تجيء على وزن تفعال ، فأجابه أبو حيان عن بعضها ، ثم طلب منه الوزير أن يجمع له ما جاء في اللغة منها . وأحيانا يتخذ الكلام شكل حوار . فأبو حيان - مثلا - يروي عن ديوجانيس أنه سئل : متى تطيب الدنيا ؟ . فقال : « إذا تفلسف ملوكها ، وملك فلاسفتها » ، فلم يرض الوزير عن هذا ، وقال : إن الفلسفة لا تصح إلا لمن رفض الدنيا وفرّغ نفسه للدار الآخرة ، فكيف يكون الملك رافضا للدنيا وقاليا لها ، وهو محتاج إلى سياسة أهلها ، والقيام عليها باجتلاب مصالحها ونفي مفاسدها ! - وأطال في ذلك - وفي كثير من الأحيان يعلق الوزير على إجابة أبي حيان بالاستحسان أو الاستهجان مع ذكر أسباب ذلك . وأحيانا يطلب إليه الوزير أن يحضّر له رسالة في موضوع ، ثم يتلوها عليه في جلسة مقبلة كما فعل مرة ، إذ كلفه أن يكتب له في المجون والملح ، ففعل أبو حيان وقرأها عليه في مجلس . قال أبو حيان : « فلما قرأتها على الوزير قال : ما علمت أن مثل هذا الحجم يحوي هذه الوصايا والملح » . وآونة يثير الوزير مسائل أشكلت عليه في اللغة والفلسفة والاجتماع يعرضها على أبي حيان ويطلب منه الجواب فيفعل . ويحدث أحيانا أن الوزير يدفع لأبي حيان برقعة فيها أسئلة يطلب إليه أن يفكر في الإجابة عنها ، ويتصل بغيره من العلماء ليأخذ رأيهم فيها ، كما حدث مرة أنه دفع إليه رقعة بخطه فيها مطالب ، وقال : باحث عنها أبا سليمان وأبا الخير ، ومن تعلم أن في محاورته فائدة . وكان في الرقعة أسئلة منها عن الروح وصفته ومنفعته ، وما المانع أن تكون النفس جسما أو عرضا أو هباء ، وهل تبقى ؟ وإن كانت تبقى فهل هي تعلم ما كان الإنسان فيه هاهنا . . . الخ . ويقول الوزير في آخر هذه الرقعة : « إن هذا وما أشبهه شاغل لقلبي وجاثم في صدري ، ومعترض بين نفسي وفكري ، وما أحب أن أبوح به لكل أحد » ، ويأمره بأن يكتم خطه فإن أراد أن يعرض هذه المسائل مكتوبة على أبي سليمان فلينسخها بخطه هو . ثم سأل أبو حيان أبا سليمان وذكر إجابته عنها ونقلها إلى الوزير ، وعلى هذا النمط يجري تأليف الكتاب . وموضوعات الكتاب متنوعة تنوعا ظريفا لا تخضع لترتيب ولا تبويب ، إنما