أبي حيان التوحيدي
28
الإمتاع والمؤانسة
جملة ما وصف من أصحابه . فقال : « وأما أبو الوفاء فهو واللّه ما يقعد به عن المؤانسة الطيبة والمساعدة المطربة والمفاكهة اللذيذة والمواتاة الشهية ، إلا أن لفظه خراساني ، وإشارته ناقصة ، هذا مع ما استفاده بمقامه الطويل ببغداد ، والبغدادي إذا تخرسن كان أعلى وأظرف من الخراساني إذا تبغدد » . إلى هنا رأينا أن الكتاب ألّف لأبي الوفاء المهندس ، نقل فيه أبو حيان ما دار بينه وبين ابن سعدان . ولكن القفطي في كتابه « أخبار الحكماء » عند ترجمته لأبي سليمان المنطقي أورد كلاما يناقض ما نقول ، سواء في ذلك من ألف له الكتاب ، ومن دار الحديث بينه وبين أبي حيان . فقد ذكر : « أن أبا سليمان كان أعور ، وكان به وضح ، وكان ذلك سبب انقطاعه عن الناس ولزومه منزله ، فلا يأتيه إلا مستفيد وطالب علم ، وكان يشتهي الاطلاع على أخبار الدولة وعلم ما يحدث فيها . . . وكان أبو حيان التوحيدي من بعض أصحابه المعتصمين به ، وكان يغشى مجالس الرؤساء ويطلع على الأخبار ، ومهما علمه من ذلك نقله إليه وحاضره به ، ولأجله صنف كتاب « الإمتاع والمؤانسة » نقل له فيه ما كان يدور في مجلس أبي الفضل عبد اللّه بن العارض الشيرازي عندما تولى وزارة صمصام الدولة بن عضد الدولة » . وأنا أرجح خطأ القفطي في الوجهين معا . فأما في الأول : فإن النسخة التي بيدي تذكر أنه ألفه لأبي الوفاء المهندس لا لأبي سليمان المنطقي . ويقول في صدر الكتاب : إنه ألفه ردا لجميل أبي الوفاء إذ كان هو الذي أوصله لأبي عبد اللّه . وعندما يأتي ذكر أبي الوفاء في ثنايا الكتاب ، ويسأل أبو عبد اللّه أبا حيان عن رأيه فيه يمدحه ويثني عليه ، ويقول : كيف أذمه وهو الذي أوصلني بك ، وقد سبق أن أثبتنا أن أبا الوفاء كان من ندماء أبي عبد اللّه . ودليل آخر ، وهو أن أبا حيان في بعض كلامه في الكتاب يستجدي من ألّف له الكتاب ، وقد كان أبو الوفاء المهندس في منزلة تسمح له بذلك ، فإنه رجل جليل القدر يلقبه الوزير بشيخنا . أما أبو سليمان فكان فقيرا كما ذكر ذلك أبو حيان في هذا الكتاب ، وكانت صلة أبي حيان به صلة علمية لا صلة مالية ، فمن البعيد جدا أن يستجديه أبو حيان . ودليل ثالث : وهو أن الوزير أبا عبد اللّه سأل أبا حيان في الكتاب عن أبي سليمان هذا ، فذكر له أوصافه ، وفيها ما هو عيب لأبي سليمان كقوله : إنه يجتمع مع قوم للشراب ، ويذكر بعضهم الوزير بالسوء ، فلو كان أبو حيان ألفه لأبي سليمان لكان بعيدا كل البعد أن يذكر هذا الحديث . ودليل رابع : وهو أن أبا حيان ينقل في كتابه هذا عن أبي سليمان ، ويذكر آراءه ،