ابن قتيبة الدينوري
81
الإمامة والسياسة ( بيروت )
رأسا [ ( 1 ) ] ، وشحن مراكبه ، ثم رفع فسار حتى أتى جزيرة يقال لها سلسلة ، وافتتحها ، وأصاب فيها مغانم كثيرة ، وأشياء عظيمة من الذهب والفضة والجواهر ، ثم انصرف قافلا ، فأصابته ريح عاصف ، فغرق عطاء وأصحابه ، وأصيب الناس ، ووقعوا بسواحل إفريقية . فلما بلغ ذلك موسى ، وجه يزيد بن مسروق في خيل إلى سواحل البحر ، يفتش على ما يلقي البحر من سفن عطاء وأصحابه فأصاب تابوتا منحوتا قال : فمنه كان أصل غناء يزيد بن مسروق . قال : ولقد لقيت شيخا متوكئا على قصبة ، فذهبت لأفتشه فنازعني ، فأخذت القصبة من يده فضربت بها عنقه فانكسرت ، فتناثر منها اللؤلؤ والجوهر والدنانير ، ثم إن موسى أمر بتلك المراكب ومن نجا من النواتية ، فأدخلهم دار الصناعة بتونس ، ثم لما كانت سنة خمس وثمانين أمر الناس بالتأهب لركوب البحر ، وأعلمهم أنه راكب فيه بنفسه ، فرغب الناس وتسارعوا ، ثم شحن فلم يبق شريف ممن كان معه إلا وقد ركب حتى إذا ركبوا في الفلك ، ولم يبق إلا أن يرفع هو ، دعا برمح فعقده لعبد اللَّه بن موسى بن نصير ، وولاه عليهم وأمّره ، ثم أمره أن يرفع من ساعته ، وإنما أراد موسى بما أشار من مسيره ، أن يركب أهل الجلد والنكاية والشرف ، فسميت غزوة الأشراف ، ثم سار عبد اللَّه بن موسى في مراكبه ، وكانت تلك أول غزوة غزيت في بحر إفريقية [ ( 2 ) ] . قال : فأصاب في غزوته تلك صقلّيّة ، فافتتح مدينة فيها ، فأصاب ما لا يدري ، فبلغ سهم الرجل مائة دينار ذهبا ، وكان المسلمون ما بين الألف إلى التسع مائة ، ثم انصرف قافلا سالما . فأتت موسى وفاة عبد العزيز بن مروان [ ( 3 ) ] ، واستخلاف الوليد بن عبد الملك سنة ست وثمانين ، فبعث إليه بالبيعة ، وبفتح عبد اللَّه بن موسى ، وما أفاء اللَّه على يده ، ثم إن موسى 284 بعث زرعة بن أبي مدرك إلى قبائل من البرير ، فلم يلق حربا منهم ورغبوا في
--> [ ( 1 ) ] يريد أنه لم يعره اهتماما ، ولم يصغ لنصيحة موسى . [ ( 2 ) ] بعد بناء القاعدة البحرية في تونس ، يقول العريني معبرا عن أهميتها : وأصبحت القوى البحرية الإسلامية موزعة بين ثلاثة مراكز : شمال إفريقيا ، ومصر والشام ( الدولة البيزنطية ص 169 ) . [ ( 3 ) ] كانت وفاة عبد العزيز بن مروان سنة 85 وقد مرت الإشارة إلى ذلك . وولى عبد الملك فيما قيل ابنه عبد اللَّه ، وقيل عبد اللَّه بن مروان أخي عبد الملك ( الطبري - ابن الأثير - ولاة مصر للكندي ) . أما وفاة عبد الملك فكانت سنة 86 ، فخلفه أخوه الوليد .