ابن قتيبة الدينوري
79
الإمامة والسياسة ( بيروت )
لديه ، فكان عبد الملك بن مروان كثيرا ما يقول إذا جاءه فتوح موسى : لتهنئك الغلبة أبا الأصبع . ثم يقول : فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً . قال : وبعث موسى إلى عياض وعثمان وإلى عبيدة [ ( 1 ) ] بني عقبة ، فقال : اشتفوا ، وضعوا أسيافكم في قتلة أبيكم عقبة . قال : فقتل منهم عياض ستّ مائة رجل صبرا من خيارهم وكبارهم ، فأرسل إليه موسى أن أمسك . فقال : أما واللَّه لو تركني ما أمسكت عنهم ، ومنهم عين تطرف . قدوم الفتح على عبد الملك بن مروان قال : وذكروا أن موسى لما قدم ، وجه بذلك الفتح إلى عبد العزيز بن مروان ، مع علي بن رباح ، فسار حتى قدم على عبد العزيز بمصر ، فأجازه ووصله ، ووجهه إلى عبد الملك بن مروان أخيه ، فلما قدم عليه أجازه أيضا ، وزاد في عطائه عشرين . فلما انصرف ، قال له عبد العزيز : كم زادك أمير المؤمنين ؟ قال : عشرين . قال : لولا كره أن أفعل مثل ما فعل لزدتك مثلها ، ولكن تعدلها زيادة عشرة . وكتب عبد الملك إلى موسى يعلمه أنه قد فرض لجميع ولده فيء مائة [ ( 2 ) ] . وبلغ به هو إلى المائتين ، وفرض في مواليه ، وأهل الجزاء والبلاء ممن معه خمس مائة رجل ثلاثين ثلاثين ، وكتب إليه إن أمير المؤمنين قد أمر لك بمائة ألف التي أغرمها لك [ ( 3 ) ] ، فخذها من قبلك من الأخماس . قال : فلما قدم على موسى كتاب عبد الملك بن مروان ، يأمره بأخذ المائة الألف مما قبله . قال : فإنّي أشهدكم أنه ردّ على المسلمين ، ومعونة لهم ، وفي الرقاب [ ( 4 ) ] . وكان موسى إذا أفاء اللَّه عليه شيئا ، اشترى من ظن منهم أنه يقبل الإسلام وينجب فيعرض عليه الإسلام ، فإن رضي قبله من بعد أن يمحص عقله ، ويجرب فطنة فهمه ، فإن وجده ماهرا أمضى عتقه وتولاه ، وإن لم يجد فيه مهارة رده في الخمس
--> [ ( 1 ) ] في البيان المغرب 1 / 41 « أبا عبدة » . [ ( 2 ) ] الفيء : قال المبرد : يقال فاء يفيء إذا رجع . وأفاء اللَّه : إذا رده . قال الأزهري : الفيء ما رده اللَّه على أهل دينه من أموال من خالف أهل دينه بلا قتال . والغنيمة هي ما يحصل بعد تعب النفس في تحصيلها بخلاف الفيء الّذي لا يتحمل في تحصيله تعبا . ( التفسير الكبير للرازي تفسير سورة الحشر ) . [ ( 3 ) ] تقدم أن عبد الملك كان قد أغرم موسى بن نصير ، بعد فراره بخراج العراق ، بمائة ألف . [ ( 4 ) ] أي في عتق الرقاب ، يريد إعطاء العبيد المملوكين لكي يعطوا أصحابهم لكي يعتقوهم .