ابن قتيبة الدينوري

66

الإمامة والسياسة ( بيروت )

فرجع إليهم المولى فأخبرهم بما ذكر ، فكتب صاحب المدينة هشام بن إسماعيل إلى عبد الملك يخبره أن سعيد بن المسيب كره أن يبايع لهما ( للوليد وسليمان ) فكتب عبد الملك إليه : ما لك ولسعيد ، وما كان علينا منه أمر نكرهه ، وما كان حاجتك أن تكشف عن سعيد ، أو تأخذه ببيعة ، ما كنا نخاف من سعيد ؟ فأما إذ قد ظهر ذلك وانتشر أمره في الناس ، فادعه إلى البيعة ، فإن أبى فاجلده مائة سوط ، أو أحلق رأسه ولحيته وألبسه ثيابا من شعر وأوقفه في السوق على الناس لكيما لا يجترئ علينا أحد غيره . قال : فلما وصل الكتاب أرسل إليه هشام ، فانطلق سعيد إليه ، فلما أتاه دعاه إلى البيعة ، فأبى أن يجيبه ، فألبسه ثيابا من شعر [ ( 1 ) ] ، وجرّده وجلده مائة سوط [ ( 2 ) ] ، وحلق رأسه ولحيته ، وأوقفه في السوق ، 271 وقال : لو أعلم أنه ليس إلا هذا ما نزعت ثيابي طائعا ولا أجبت إلى ذلك قال بعض الأيليين [ ( 3 ) ] الذين كانوا في الشرطة بالمدينة : لما علمنا أنه لا يلبس الثياب طائعا قلنا له : يا أبا محمد إنه القتل فاستر بها عورتك ، قال : فلبس فلما تبين له أنا خدعناه قال : يا معلجة أهل أيلة ، لولا أني ظننت أنه القتل ما لبسته . قال : فكان هشام بن إسماعيل بعد ذلك إذا خطب الناس يوم الجمعة تحوّل إليه سعيد بن المسيب ، أي يقبل عليه بوجهه ما دام يذكر اللَّه ، حتى إذا وقع في مدح عبد الملك وغيره أعرض سعيد عنه بوجهه فلما فطن هشام لذلك ، أمر حرسيا يحصب وجه سعيد إذا تحوّل عنه ففعل ذلك به ، فقال سعيد : إنما هي ثلاث ، وأشار بيده . قال : فما مرّ به إلا ثلاثة أشهر حتى عزل هشام . موت عبد الملك وبيعة الوليد قال : وذكروا أن عبد الملك بن مروان لما حضرته الوفاة ، جمع بنيه وقال لهم : اتقوا اللَّه ربّكم ، وأصلحوا ذات بينكم ، وليجلّ صغيركم كبيركم ، وكبيركم صغيركم ، انظروا أخاكم مسلمة ، فاستوصوا به خيرا ، فإنه شيخكم ومجنكم

--> [ ( ) ] والترمذي في الجنائز ( 5 ) والوصايا ( 3 ) والنسائي في الوصايا ( 1 ) وابن ماجة في الوصايا ( 2 ) وأحمد في المسند 2 / 4 ، 10 ، 50 ، 57 ، 80 . [ ( 1 ) ] في الطبري : طاف به في تبان ( سراويل صغير يستر العورة ) وفي العقد الفريد 4 / 421 ألبسه المسوح . وانظر حلية الأولياء 2 / 171 - 172 . [ ( 2 ) ] في الطبري وابن الأثير : ستين سوطا . [ ( 3 ) ] نسبة إلى أيلة بلد بين ينبع ومصر .