ابن قتيبة الدينوري

62

الإمامة والسياسة ( بيروت )

يصبح ويمسي في الابتلاء . 267 قال الحجاج : فأنا أضحك . فقال سعيد : كذلك خلقنا اللَّه أطوارا . قال الحجاج : هل رأيت شيئا من اللهو ؟ قال : لا أعلمه . فدعا الحجاج بالعود والناي . قال : فلما ضرب العود ، ونفخ في الناي بكى سعيد . قال الحجاج : ما يبكيك ؟ قال : يا حجاج ذكرتني أمرا عظيما ، واللَّه لا شبعت ولا رويت ولا اكتسيت ، ولا زلت حزينا لما رأيت . قال الحجاج : وما كنت رأيت هذا اللهو ؟ فقال سعيد : بل هذا واللَّه الحزن يا حجاج ، أما هذه النفخة ، فذكرتني يوم النفخ في الصور [ ( 1 ) ] ، وأما هذا المصران [ ( 2 ) ] فمن نفس ستحشر معك إلى الحساب ، وأما هذا العود فنبت بحقّ ، وقطع لغير حقّ . فقال الحجاج : أنا قاتلك . قال سعيد : قد فرغ من تسبب في موتي . قال الحجاج : أنا أحبّ إلى اللَّه منك ؟ قال سعيد : لا يقدم أحد على ربه حتى يعرف منزلته منه ، واللَّه بالغيب أعلم . قال الحجاج : كيف لا أقدم على ربي في مقامي هذا ، وأنا مع إمام الجماعة ، وأنت مع إمام الفرقة والفتنة ؟ قال سعيد : ما أنا بخارج عن الجماعة ، ولا أنا براض عن الفتنة ، ولكن قضاء الربّ نافذ لا مردّ له . قال الحجاج : كيف ترى ما نجمع لأمير المؤمنين ؟ قال سعيد : لم أر ، فدعا الحجاج بالذهب والفضة ، والكسوة والجوهر ، فوضع بين يديه . قال سعيد : هذا حسن إن قمت بشرطه . قال الحجاج : وما شرطه ؟ قال : أن تشتري له بما تجمع الأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة ، وإلا فإن كل مرضعة تذهل عما أرضعت [ ( 3 ) ] ، ويضع كل ذي حمل حمله ، ولا ينفعه إلا ما طاب منه . قال الحجاج : فترى طيبا ؟ قال : برأيك جمعته ، وأنت أعلم بطيبة . قال الحجاج : أتحبّ أن لك شيئا منه ؟ قال : لا أحبّ ما لا يحبّ اللَّه . قال الحجاج : ويلك . قال سعيد : الويل لمن زحزح عن الجنة فأدخل النار . قال الحجاج : اذهبوا به فاقتلوه . 268 قال : إني أشهدك يا حجاج أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، أستحفظكهن يا حجاج حتى ألقاك . فلما أدبر ضحك . قال الحجاج [ ( 4 ) ] : ما يضحكك يا سعيد ؟

--> [ ( 1 ) ] إشارة إلى الآية الكريمة : ( وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ . . . وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ ) من سورة النمل آية 87 . [ ( 2 ) ] يريد : أوتار العود . وهي تتخذ من مصارين الحيوان . [ ( 3 ) ] إشارة إلى قوله تعالى : ( يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ) الحج : 2 . [ ( 4 ) ] في ابن الأعثم 8 / 163 : ردوه ! وهو يضحك ( مروج الذهب 3 / 201 ) .