ابن قتيبة الدينوري
27
الإمامة والسياسة ( بيروت )
فبلغ أهل البصرة ما صنع أهل الكوفة ، فاجتمعوا وأخرجوا الريات ، فلم يبق أحد إلا خرج ، وذلك لسوء آثار عبيد اللَّه بن زياد فيهم ، يطلبون قتله . ثم قام ابن أبي ذؤيب فقال : يا هؤلاء من ينصر اللَّه ينصر الكعبة ، من يغار على ابن سمية ، سارعوا أيها الناس إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض ، واجتنبوا هذه الدعوة ، وأقيموا أود هذه البيعة ، فإنّها بيعة هدى ، فإنه من قد علمتهم عبد اللَّه بن الزبير حواريّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وابن عمته وابن أسماء بنت أبي بكر الصدّيق ، أما واللَّه لو أن أبا بكر علم أنه بقي على الأرض من هو خير منه وأولى بهذه البيعة ، ما مدّ يده ، ولا نازعته إليها نفسه ، أما واللَّه لقد علمتم ما أحد على وجه الأرض خير ولا أحق بها إلا هذا الشيخ عبد اللَّه بن عمر ، المتبرئ من الدنيا ، المعتزل عن الناس الكاره لهذا الأمر ، ثم خرجت الخوارج من سجون عبيد اللَّه بن زياد ، واجتمعوا على حدة ، والقبائل كل قبيلة في المسجد معتزلة على حدة ، وعبيد اللَّه بن زياد في القصر ، وقد أخذ بأبوابه وقد تمنع أن يدخل القصر أحد ، وقد أخذت العرب بأفواه السكك والدروب ، وكان عبيد اللَّه أول من جفا العرب ، وأخذ منهم المحاربة اثني عشر ألفا ليعتزّ بهم ، فو اللَّه ما زادوه إلا ذلا ، فلما رأى ذلك عبيد اللَّه بن زياد لم يدر كيف يصنع ، وخاف تميما وبكر بن وائل أن يستجير بهم ولم يأمن غدرهم ، فأرسل إلى الحارث بن قيس الجهمي [ ( 1 ) ] من الأزد ، فدخل عليه الحارث ، فقال : يا حارث ، قد أكرمتم زيادا ، وحفظتم منه ما كنتم أهله ، وقد استجرت بكم ، فأنشدكم اللَّه فيّ . قال الحارث : أخاف أن لا تقدر على الخروج إلينا لما أرى من سوء رأي العامة فيك مع سوء آثارك في الأزد . قال : فتهيأ عبيد اللَّه ، فلبس لبس امرأة في خمرتها وعقيصتها ، فأردفه الحارث خلفه ، فخرج به على الناس فقالوا : يا حارث ما هذه ؟ قال : تنحوا رحمكم اللَّه ، هذه امرأة من أهلي ، كانت زائرة لأهل ابن زياد ، أتيت أذهب بها . فقال عبيد اللَّه للحارث : أين نحن ؟ قال : في بني سليم ، فقال : سلمنا اللَّه . قال : ثم سار قليلا ، ثم قال : أين نحن ؟ قال : في بني ناجية من الأزد ، قال : نجونا إن شاء اللَّه [ ( 2 ) ] . قال : فأتى به مسعود بن
--> [ ( 1 ) ] هو الحارث بن قيس بن صهبان بن عون بن علاج بن مازن بن أسود بن جهضم بن جذيمة بن مالك بن فهم . [ ( 2 ) ] زيد في الأخبار الطوال ص 282 ثم سارا حتى انتهيا إلى الأزد وانظر الطبري 5 / 510 وابن الأثير 2 / 608 .