ابن قتيبة الدينوري

16

الإمامة والسياسة ( بيروت )

ثم سار إلى مكة ، حتى إذا بلغ قفا المشلل أدنف [ ( 1 ) ] ، فدعا الحصين بن نمير . فقال له : يا بن برذعة الحمار ، واللَّه ما خلق اللَّه أحدا أبغض إليّ منك ، ولولا أن أمير المؤمنين أمرني أن أستخلفك ما استخلفتك ، أتسمع ؟ قال : نعم ، قال : لا تكوننّ إلا على الوقاف ، ثم الثقاف ، ثم الانصراف [ ( 2 ) ] ، ولا تمكن قريشا من أذنك . ثم مات مسلم بن عقبة ، فدفن بقفا المشلل ، وكانت أم ولد ليزيد بن عبد اللَّه بن زمعة بأستار ، فخرجت إليه فنبشته من قبره ، ثم أحرقت عليه بالنار ، وأخذت أكفانه فشقتها ، وعلقتها بالشجرة ، فكل من مرّ عليه يرميه بالحجارة ، وسار الحصين حتى جاء مكة ، فدعاهم إلى الطاعة ، وعبد اللَّه بن الزبير يومئذ بمكة ، فلم يجبه ، فقاتله ، فقتل يومئذ المنذر بن الزبير ، ورجلان من إخوته ، ومصعب بن عبد الرحمن ، والمسور بن مخرمة [ ( 3 ) ] . حرب ابن الزبير رضي اللَّه عنهما قال : وذكروا أن مسلم بن عقبة لما فرغ من قتال أهل المدينة يوم الحرّة ، مضى إلى مكة المشرّفة ، يريد ابن الزبير ، حتى إذا كان بقديد ، حضرته الوفاة ، فدعا الحصين بن نمير . فقال له : إن أمير المؤمنين عصاني فيك ، فأبى إلا استخلافك بعدي ، فلا ترسلنّ بينك وبين قريش رسولا تمكنه من أذنيك ، إنما هو الوقاف ، ثم الثقاف ، ثم الانصراف . وهلك مسلم بن عقبة ، فدفن بالثنية . قال : وسمع بهم عبد اللَّه بن الزبير ، فأحكم مراصد مكة ، فجعل عليها المقاتلة ، وجاءه جند أهل المدينة ، وأقبل ابن نمير حتى نزل على مكة ، وأرسل خيلا فأخذت أسفلها ، ونصب عليها العرادات والمجانيق ، وفرض على أصحابه عشرة آلاف صخرة ، في كل يوم يرمونها بها . فقال الناس : انظروه لئلا يصيبه ما أصاب أصحاب الفيل . قال عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ، وكان بمكة معتمرا ، قدم من الطائف : لا تظن ذلك ، لو كان كافرا بها لعوقب دونها ، فأما إذا كان مؤمنا بها فسيبتلى فيها ، فكان كما قال ، وحاصروهم لعشر ليال بقين من المحرّم ، سنة أربع وستين ، فحاصروهم بقية المحرّم ، وصفر ، وشهري ربيع ، يغدون على

--> [ ( 1 ) ] أدنف : أي اشتد مرضه وأشفى على الموت ( معجم وسيط ) . [ ( 2 ) ] مر الشرح سابقا . وفي الكامل لابن الأثير 2 / 601 : خذ عني أربعا : أسرع السير ، وعجل المناجزة ، وعم الأخبار ، ولا تمكن قرشيا من أذنك ، وانظر الطبري 7 / 14 طبعة بولاق . [ ( 3 ) ] : هذا هو الحصر الأول من عسكر الشام لابن الزبير .