ابن قتيبة الدينوري

123

الإمامة والسياسة ( بيروت )

يطيق ذلك ؟ فقال أبو حازم : من هرب من النار إلى الجنة ، ونبذ سوء العادة إلى خير العبادة . فقال سليمان : أصحبنا يا أبا حازم ، وتوجه معنا تصب منا ونصب منك . قال أبو حازم : أعوذ باللَّه من ذلك ، قال سليمان : ولم يا أبا حازم ؟ قال : أخاف أن أركن إلى الذين ظلموا ، فيذيقني اللَّه ضعف الحياة ، وضعف المماة [ ( 1 ) ] . 315 فقال سليمان : فتزورنا . قال أبو حازم : إنا عهدنا الملوك يأتون العلماء ولم يكن العلماء يأتون الملوك ، فصار في ذلك صلاح الفريقين ، ثم صرنا الآن في زمان صار العلماء يأتون الملوك ، والملوك تقعد عن العلماء ، فصار في ذلك فساد الفريقين جميعا . قال سليمان : فأوصنا يا أبا حازم وأوجز . قال : اتّق اللَّه ألا يراك حيث نهاك ، ولا يفقدك من حيث أمرك . قال سليمان : ادع لنا بخير . فقال أبو حازم : اللَّهمّ إن كان سليمان وليك فبشره بخير الدنيا والآخرة ، وإن كان عدوّك فخذ [ ( 2 ) ] إلى الخير بناصيته . قال سليمان : زدني . قال : قد أوجزت ، فإن كنت وليه فاغتبط ، وإن كنت عدوّه فاتعظ ، فإن رحمته في الدنيا مباحة ، ولا يكتبها في الآخرة إلا لمن اتقى في الدنيا ، فلا نفع في قوس ترمى بلا وتر . فقال سليمان : هات يا غلام ألف دينار ، فأتاه بها ، فقال : خذها يا أبا حازم . فقال [ ( 3 ) ] : لا حاجة لي بها ، لأني وغيري في هذا المال سواء ، فإن سوّيت بيننا وعدلت أخذت ، وإلا فلا ، لأني أخاف أن يكون ثمنا لما سمعت من كلامي . وإن موسى بن عمران عليه السّلام لما هرب من فرعون ورد ماء مدين ، ووجد عليه الجاريتين تذودان [ ( 4 ) ] . فقال : ما لكما معين ؟ قالتا : لا ، فسقى لهما ، ثم تولى إلى الظلّ . فَقالَ : رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ، ولم يسأل اللَّه أجرا . فلما أعجل الجاريتان الانصراف [ ( 5 ) ] ، أنكر ذلك أبوهما . فقال لهما : ما أعجلكما اليوم ؟ قالتا : وجدنا رجلا صالحا قويا سقى لنا . قال : ما سمعتماه يقول ؟ قالتا : تولى إلى الظلّ وهو يقول : ( رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) . فقال ينبغي لهذا أن

--> [ ( 1 ) ] زيد في الحلية : ثم لا يكون لي منه نصيرا . [ ( 2 ) ] في الحلية : فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى . [ ( 3 ) ] العبارة في الحلية : فقال : واللَّه ما أرضاها لك فكيف أرضاها لنفسي ؟ إني أعيذك باللَّه أن يكون سؤالك إياي هزلا ، وردي عليك بذلا . [ ( 4 ) ] إشارة إلى قوله تعالى : ( وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ ) ، تذودان : أي أن الجاريتين كانتا تمنعان غنمهما من الورود إلى الماء . [ ( 5 ) ] أي أنهما سقيا غنمهما بسرعة على غير عادتهما .