ابن قتيبة الدينوري
121
الإمامة والسياسة ( بيروت )
قعد طاووس سكت طويلا . ثم قال : ما أول شيء خلق ! فقلنا : لا ندري . فقال أوّل شيء خلق : القلم . ثم قال : أتدرون ما أوّل شيء كتب ؟ قلنا : لا ، قال : فإن أوّل ما كتب بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم ، ثم كتب القدر خيره وشرّه إلى يوم القيامة . ثم قال : أتعلمون من أبغض الخلق إلى اللَّه ؟ قلنا : لا ، فقال : إن أبغض الخلق إلى اللَّه تعالى عبد أشركه اللَّه في سلطانه ، فعمل فيه بمعاصيه ، ثم نهض . قال رجاء : فأظلم عليّ البيت ، فما زلت خائفا عليه حتى توارى ، فرأيت سليمان يحكّ رأسه بيده ، حتى خشيت أن تجرح أظفاره لحم رأسه . ما قال أبو حازم [ ( 1 ) ] لسليمان قالوا : وإن يحيى بن المغيرة أخبرهم عن عبد الجبار بن عبد العزيز بن أبي حازم ، قال : لما حجّ سليمان ، ودخل المدينة زائرا لقبر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ، ومعه ابن شهاب الزهري ورجاء بن حيوة ، فأقام بها ثلاثة أيام ، فقال : أما هاهنا رجل ممن أدرك أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ؟ فقيل له : بلى 313 هاهنا رجل يقال له أبو حازم ، فبعث إليه ، فجاءه ، وهو أقور [ ( 2 ) ] أعرج ، فدخل عليه ، فوقف منتظرا للإذن . فلما طال عليه الإذن : وضع عصيّته ثم جلس . فلما نظر إليه سليمان : ازدرته عينه . فقال له : يا أبا حازم . ما هذا الجفاء الّذي ظهر منك ، وأنت توصف برؤية أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ، مع فضل ودين تذكر به ؟ فقال أبو حازم : وأيّ جفاء رأيت مني يا أمير المؤمنين ؟ فقال سليمان : إنه أتاني وجوه أهل المدينة وعلماؤها وخيارها ، وأنت معدود فيهم ولم تأتني . فقال أبو حازم : أعيذك باللَّه أن تقول ما لم يكن ، ما جرى بيني وبينك معرفة آتيك عليها . قال سليمان : صدق الشيخ ، فقال : يا أبا حازم : ما لنا نكره الموت ؟ فقال أبو حازم : لأنكم أخربتم آخرتكم ، وعمرتم دنياكم ، فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب . قال سليمان : صدقت يا أبا حازم . فكيف القدوم على الآخرة ؟ [ ( 3 ) ] قال : نعم ، أما المحسن [ ( 4 ) ] فإنه يقدم
--> [ ( 1 ) ] هو سلمة بن دينار المخزومي ، أبو حازم الأعرج عالم المدينة وقاضيها ، كان عابدا زاهدا . [ ( 2 ) ] أقور : أي أعور . [ ( 3 ) ] في مروج الذهب 3 / 217 : على اللَّه . [ ( 4 ) ] العبارة في مروج الذهب : فكالغائب يأتي أهله مسرورا .