ابن قتيبة الدينوري

116

الإمامة والسياسة ( بيروت )

لقيت بشكله ، فمنهم المصالح ، ومنهم المحارب المقهور ، والعزيز البذوخ [ ( 1 ) ] . قال : فأخبرني كيف كانت الحرب بينك وبينهم ، أكانت عقبا ؟ [ ( 2 ) ] قال : لا يا أمير المؤمنين ، ما هزمت لي راية قط ، ولا فضّ لي جمع ، ولا نكب المسلمون معي نكبة ، منذ اقتحمت الأربعين ، إلى أن شارفت الثمانين . قال : فضحك سليمان وقال : فأين الراية التي حملتها يوم مرج راهط [ ( 3 ) ] مع الضحاك ؟ قال : تلك يا أمير المؤمنين زبيرية ، وإنما عنيت المروانية . فقال : صدقت ، وأعجبه قوله . وذكروا أن محمد بن عبد الملك حدثهم عن ريان بن عبد العزيز بن مروان قال : إنا لجلوس عند سليمان وهو على سطح فسيح ، والناس يدخلون حتى دخل موسى من الباب ، فتحرّك بنا سقف السطح من شدّة وطئه ، فسلم ثم جلس ، فذكر سليمان بيت الذهب الّذي فتحه قتيبة بن مسلم ، فجعل يردّد فيه . فقال له موسى : وما هذا يا أمير المؤمنين ؟ بيت لا يكون فيه عشرة آلاف دينار ، واللَّه لقد بعثت إلى أخيك الوليد بثور من زمرد أخضر ، يصبّ فيه اللبن فيخضرّ وإنه لمن أدنى ما بعثت به إليه . ولقد أصبت كذا وكذا ، وأصاب المسلمون كذا وكذا ، وجعل يحدث سليمان بالعجائب . 309 قال ريان : حتى واللَّه أبهته . ولم يزل موسى بباب سليمان عظيم المنزلة عنده [ ( 4 ) ] . فلما كانت سنة ثمان [ ( 5 ) ] وتسعين تجهز سليمان للحجّ ، وأمر موسى بالشخوص والحجّ معه ، فذكر له أنه ضعيف ، فأمر له سليمان بثلاثين نجيبا موقورة جهازا ، وبحجرة من حجره وجائزة ، فحجّ سليمان ، وحجّ معه موسى ، فبينما هو يسير يوما إذ دعا بموسى ، فناداه خالد ابن الريان ، وكان موسى يساير رجلا ، فلم يلتفت موسى إلى ندائه ، ثم دعا به ، فناداه خالد أيضا ، فلم يلتفت إليه . فقال له الرجل : غفر اللَّه لك ، ألم تسمع دعاء أمير

--> [ ( 1 ) ] البذوخ : المتكبر . [ ( 2 ) ] يريد هل كانت معاقبة ، أي تنتصر مرة وتهزم أخرى ثم تنتصر . [ ( 3 ) ] معركة مرج راهط جرت بين الجناح الأموي اليمني المتمثل بمروان بن الحكم ، والجناح الأموي القيسي المتحالف مع ابن الزبير ، وحمل لواؤه الضحاك بن قيس ، وقد تقدمت الإشارة إلى أن موسى بن نصير كان يحارب تحت راية الضحاك . وبعد المعركة وهزيمة الضحاك التجأ إلى عبد العزيز بن مروان . [ ( 4 ) ] ما نكب به موسى بن نصير ، من تغريمه أموالا عظيمة ، وقتل ابنيه واستئصال أموالهم وبنيهم لا يشير إلى عظيم منزلة . [ ( 5 ) ] في ابن الأثير سنة 97 ، وذكر أنه حج بالناس سنة 98 عبد العزيز بن عبد اللَّه بن خالد بن أسيد ، وهو أمير مكة . ( انظر الطبري حوادث سنة 97 و 98 ومروج الذهب 4 / 450 والحلة السيراء 2 / 334 ) .