ابن قتيبة الدينوري

102

الإمامة والسياسة ( بيروت )

تولية سليمان بن عبد الملك أخاه مسلمة وما أشار به موسى عليه قال : وذكروا أن سعيد بن عبد اللَّه أخبرهم ، قال : إن سليمان بن عبد الملك بعث أخاه مسلمة إلى أرض الروم [ ( 1 ) ] ، ووجه معه خمس مائة وثلاثين ألف رجل ، وخمس مائة رجل ممن قد ضمه الديوان واكتتب في العطاء وتقلب في الأرزاق ، ثم دعا سليمان بموسى ، بعد أن رضي عنه على يد عمر بن عبد العزيز فقال سليمان له : أشر عليّ يا موسى ، فلم تزل مبارك الغزوة في سبيل اللَّه ، بعيد الأثر ، طويل الجهاد . فقال له موسى : أرى يا أمير المؤمنين أن توجهه بمن معه ، فلا يمرّ بحصن إلا صير عليه عشرة آلاف رجل حتى يفرق نصف جيشه ، ثم يمضي بالباقي من جيشه ، حتى يأتي القسطنطينية ، فإنه يظفر بما يريد يا أمير المؤمنين . قال : فدعا سليمان مسلمة فأمره بذلك من مشورة موسى وأوعز إليه . 298 فلما علم مسلمة بالمشورة فكأنه كره ذلك ، وكان في مسلمة بعض الإباية ، ثم رجع إلى قول موسى فيما صنع بأرض الروم ، حين ظفر ببطريق ليس فوقه إلا ملك الروم [ ( 2 ) ] : فقال البطريق لمسلمة : آمني على نفسي وأهلي ومالي وولدي ، وأنا آتيك بالملك ، فأمنه ، ومضى البطريق إلى الملك الأعظم ، فأعلمه بما فعل مسلمة ، وما ظفر به منه ، ومن حصون الروم ، فلما رأى ذلك ملك الروم ، أعظم ذلك وسقط في يديه . فقال البطريق له عند ذلك : ما لي عليك إن صرفت مسلمة عنك وجميع من معه ؟ فقال الملك : أجعل تاجي على رأسك ، وأقعدك مكاني . فقال البطريق : أنا أكفيك ذلك . فرجع البطريق إلى مسلمة ، فقال : أخرني ثلاثا حتى آتيك بالملك ، فبعث البطريق إلى جميع الحصون ، فأمرهم بالتقلع إلى الجبال ، وحمل ما قدروا عليه من الطعام ، وأمر بإحراق الزرع ، وغير ذلك مما يؤكل وينتفع به ، مما كان خلفه مسلمة وجنده [ ( 3 ) ] ، وما بين المسلمين وملك

--> [ ( 1 ) ] الخبر في الطبري 6 / 530 - 531 وابن الأثير 3 / 244 - 245 باختلاف . [ ( 2 ) ] هو إليون صاحب أرمينيا . قال المؤرخ الأرمني دينيس : هو إليون المرعشي حاكم عمّورية ، ويبدو أنه من أصل سوري من عناصر الجراجمة الساكنة على حدود الشام . جاء إلى سليمان يطلب مساعدته للوصول إلى عرش الروم على أن يحكم باسمه - وكان ملك الروم قد مات . يقول دينيس : إن قصده في الحقيقة كان خداع العرب وإيقاف سفك دماء بني وطنه ، وهذا بالفعل ما وقع منه . [ ( 3 ) ] في ابن الأثير : أتى اليون مسلمة فقال له : إن الروم قد علموا أنك لا تصدقهم القتال ، وإنك