ابن قتيبة الدينوري

92

الإمامة والسياسة ( بيروت )

بالشك ، فو اللَّه ما نفعه حقي ، ولا ضرني باطله ، وهو مقتول غدا في الرعيل الأول . قال : ثم خرج علي على بغلة رسول اللَّه الشهباء بين الصفين ، وهو حاصر ، فقال : أين الزبير ؟ فخرج إليه ، حتى إذا كانا بين الصفين اعتنق كل واحد منهما صاحبه وبكيا ، ثم قال علي : يا عبد اللَّه ما جاء بك هاهنا ؟ قال : جئت أطلب دم عثمان . قال علي : تطلب دم عثمان ، قتل اللَّه من قتل عثمان ، أنشدك اللَّه يا زبير ، هل تعلم أنك مررت بي وأنت مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وهو متكئ على يدك فسلّم عليّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وضحك إليّ ، ثم التفت إليك ، فقال لك : يا زبير ، إنك تقاتل عليا وأنت له ظالم ؟ قال : اللَّهمّ نعم [ ( 1 ) ] . قال علي : فعلام تقاتلني ؟ قال الزبير : نسيتها واللَّه ، ولو ذكرتها ما خرجت إليك ، ولا قاتلتك فانصرف علي إلى أصحابه ، فقالوا : يا أمير المؤمنين مررت إلى رجل في سلاحه وأنت حاسر ، قال علي : أتدرون من الرجل ؟ قالوا : لا . قال : ذلك الزبير ابن صفية عمة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم . أما إنه قد أعطى اللَّه عهدا أنه 101 لا يقاتلكم ، إني ذكرت له حديثا قاله رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ، فقال : لو ذكرته ما أتيتك . فقالوا : الحمد للَّه يا أمير المؤمنين ، ما كنا نخشى في هذا الحرب غيره . ولا نتقي سواه . إنه لفارس رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وحواريه ، ومن عرفت شجاعته وبأسه ومعرفته بالحرب ، فإذا قد كفاناه اللَّه فلا نعد من سواه إلا صرعى حول الهودج . رجوع الزبير عن الحرب قال : وذكروا أن الزبير دخل على عائشة [ ( 2 ) ] ، فقال : يا أماه ، ما شهدت موطنا قط في الشرك ولا في الإسلام إلا ولي فيه رأي وبصيرة غير هذا الموطن ، فإنه لا رأي لي فيه ، ولا بصيرة ، وإني لعلى باطل . قالت عائشة : يا أبا عبد اللَّه ، خفت سيوف بني عبد المطلب ؟ فقال : أما واللَّه إن سيوف بني عبد المطلب

--> [ ( 1 ) ] رواه ابن كثير في البداية 7 / 268 من عدة طرق . والبيهقي في الدلائل 6 / 414 وقال : هذا مرسل وقد روي من وجه آخر موصولا . والطبري 5 / 200 وابن الأعثم 2 / 310 ومروج الذهب 2 / 400 - 401 . [ ( 2 ) ] كذا بالأصل وابن الأعثم والطبري ، وفي رواية أخرى عند الطبري ، أنه عاد إلى ابنه عبد اللَّه .